أولي هانسن رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
يواصل النفط في ممارسة تأثير يمتد إلى ما هو أبعد من سوق الطاقة؛ فأسعار الخام حالياً، وأكثر من أي أصول أخرى، هي التي تشكل التوجهات العامة للأسواق من خلال تأثيرها على رؤية البنوك المركزية، وعوائد السندات السيادية، وقوة الدولار. في البيئة الحالية، أصبح النفط فعلياً "آلية الانتقال" الرئيسية للمؤشرات الاقتصادية الكلية.
وينعكس هذا الديناميكي بشكل متزايد على أداء الأصول المختلفة؛ فالذهب، ورغم استمرار عدم اليقين الجيوسياسي، يكافح لإيجاد زخم شرائي مستدام. إذ ترفع أسعار النفط المرتفعة من المخاوف بشأن استمرار التضخم، مما يدفع عوائد السندات والدولار للصعود، ويخلق بيئة أقل دعماً للأصول التي لا تدر عائداً كالذهب. نحن نشهد حالياً ارتباطاً عكسياً حاداً بين الذهب من جهة، والنفط وعوائد السندات والدولار من جهة أخرى. وبناءً عليه، سيظل الخام هو المحرك الكلي المهيمن على الأسواق حتى تتغير هذه العلاقة.
بين التفاؤل الدبلوماسي والواقع الميداني
أظهرت التحركات السعرية الأخيرة مرة أخرى حساسية السوق المفرطة للخطاب السياسي؛ فقد تراجع النفط بحدة بعد تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة في "المراحل النهائية" من المحادثات مع إيران، مما أنعش الآمال في اختراق دبلوماسي قد يخفف من اضطرابات الإمدادات. لكن هذه الآمال تلاشت سريعاً بعد تعليقات لاحقة حذر فيها من أن "هناك المزيد من القتال القادم ما لم تتصرف إيران بذكاء".
تبدو الأسواق عالقة بين هذه الإشارات المتناقضة، والنتيجة هي تقلبات سعرية حادة دون الوصول إلى التطور الوحيد الذي يهم حقاً: إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات الطاقة الإقليمية إلى طبيعتها.
اللوجستيات والتخزين: عنق الزجاجة
في غضون ذلك، بدأ تركيز السوق ينتقل من أخبار الصواريخ نحو الخدمات اللوجستية والتخزين. وتظهر بيانات "كبلر" (Kpler) أنه منذ منتصف أبريل، لم تعبر أي ناقلة تحمل خاماً إيرانياً خط الحصار، في حين انهارت عمليات تحميل الخام من حوالي 2.1 مليون برميل يومياً قبل الأزمة إلى 640 ألف برميل يومياً فقط حالياً.
وفي الوقت نفسه، قفزت المخزونات العائمة داخل الخليج من حوالي 23 مليوناً إلى 42 مليون برميل، مع تراكم 15 مليون برميل أخرى في المنشآت البرية. هذه المخزونات المتزايدة تمثل براميل "محتجزة" وليست "محذوفة" من السوق، وهي نقطة ضغط تأمل الإدارة الأمريكية أن تجبر إيران في النهاية على العودة إلى طاولة المفاوضات.
رغم ذلك، ظهرت بعض بوادر التحسن الطفيفة؛ حيث استؤنفت حركة الناقلات بشكل محدود إلى الصين وكوريا الجنوبية، بينما تستعد الهند لاستئناف شحن الحمولات من الموردين في الشرق الأوسط. ومع ذلك، لا تزال هذه الكميات مجرد كسر بسيط من المستويات العادية، ولا تشير بعد إلى عودة الاستقرار.
شح مادي وتقارب في التوقعات
عزز التقرير الأسبوعي لوكالة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) الأدلة على استمرار الشح المادي؛ حيث تراجعت مخزونات الخام الأمريكية الإجمالية بمقدار قياسي بلغ 17.8 مليون برميل. ورغم أن 10 ملايين برميل منها كانت ناتجة عن سحب من الاحتياطي الاستراتيجي، إلا أن المخزونات التجارية انخفضت بمقدار 7.9 مليون برميل، كما تراجعت المخزونات في "كوشينغ" للأسبوع الرابع على التوالي.
من جهة أخرى، يقدر بنك "غولدمان ساكس" أن مخزونات الخام والمنتجات العالمية المرئية تتراجع بوتيرة قياسية، حيث انخفضت المخزونات بمقدار 8.7 مليون برميل يومياً منذ بداية هذا الشهر.
الخلاصة: في الوقت الحالي، قد تستمر أسعار العقود الآجلة في التفاعل مع العناوين الدبلوماسية وتقلب الخطاب السياسي. ومع ذلك، ما لم تترجم تلك العناوين إلى زيادة فعلية وملموسة في التدفقات المادية، فإن ضعف الأسعار سيظل مدفوعاً بـ "التوقعات" أكثر من "الأساسيات". فالعقود الآجلة تتداول بناءً على العناوين، بينما تستمر الأسواق الفعلية في التداول بناءً على توفر البراميل.