recent
أخبار ساخنة

تقرير ساكسو بنك: ​تصحيح أسعار الذهب يتزامن مع إعادة ضبط الاقتصاد الكلي: وقف إطلاق النار يزيل العقبات الرئيسية

  


أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

 

لقد اختبر التصحيح الأخير في أسعار الذهب التصور السائد حول السبائك كملاذ آمن وموثوق خلال الأزمات الجيوسياسية. ومع ذلك، لا ينبغي تفسير حركة السعر الأخيرة على أنها تحول هيكلي؛ بل هي نتاج تضافر ضغوط الاقتصاد الكلي مع ديناميكيات المراكز الاستثمارية بعد موجة صعود ممتدة.

يكمن جوهر التراجع في طبيعة الصدمة ذاتها؛ فخلافاً لبيئات "العزوف عن المخاطرة" التقليدية التي تدعم الذهب، تسبب الصراع في الشرق الأوسط في صدمة تضخمية مدفوعة بجانب العرض. وأدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة توقعات التضخم، مما استدعى إعادة تقييم مسارات السياسة النقدية للبنوك المركزية؛ حيث تراجعت توقعات خفض أسعار الفائدة، وارتفعت عوائد السندات، وقوي الدولار، وهي عوامل تضغط عادةً على الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب.

وفي الوقت ذاته، لعبت "مراكز المستثمرين" دوراً محورياً؛ فبعد رالي قوي استمر لعدة أشهر وتداول الذهب بمستويات تفوق اتجاهه طويل الأجل بكثير، أصبح السوق مشبعاً بالمراكز الشرائية (Crowded Market). جعل ذلك السوق عرضة لموجات تصفية المراكز الشرائية مع سعي المستثمرين لتقليل المخاطر وزيادة السيولة النقدية وسط تقلبات السوق الواسعة. ومن هذا المنطلق، كان التصحيح فنياً بقدر ما كان أساسياً.

وخلال تصحيح شهر مارس، انخفض إجمالي الحيازات في الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs) بمقدار 94 طناً لتصل إلى 3,044 طناً، قبل أن ترتد بنحو 20 طناً منذ بداية الشهر الجاري. وبوضع الأمور في نصابها، فإن هذا الخفض يعادل مشتريات شهرين ونصف تقريباً، ويظل متواضعاً مقارنة بـ 545 طناً تم تجميعها خلال عام 2025.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى ندرة الأدلة التي تشير إلى تحول كلي بعيداً عن الذهب نحو أصول بديلة؛ فخلال ذروة عمليات البيع، توجهت التدفقات بشكل كبير نحو النقد وأدوات الدخل الثابت قصيرة الأجل، مدعومة بارتفاع العوائد وقوة الدولار. كما كان الاستثمار في قطاع الطاقة بمثابة تحوط مباشر ضد المخاطر الجيوسياسية. ومع ذلك، أثبتت هذه الديناميكية مرونتها، حيث أدت التطورات الأخيرة إلى عكس هذا الاتجاه جزئياً.

وبالنظر إلى المستقبل، سيظل مسار الذهب مرتبطاً بشكل وثيق بمتغيرات الاقتصاد الكلي، ولا سيما العوائد الحقيقية، واتجاه الدولار، وتوقعات السياسة النقدية. ورغم احتمال استمرار التقلبات على المدى القريب، تظل النظرة العامة بناءة؛ إذ يوفر استمرار طلب البنوك المركزية، وعدم اليقين الجيوسياسي القائم، والمخاوف بشأن الاستدامة المالية، دعماً أساسياً للأسعار.

وفي هذا السياق، يبدو التراجع الأخير أقرب إلى كونه "حركة تصحيحية" منه إلى بداية سوق هابطة طويلة الأمد. ومع ذلك، فإن مدة وعمق هذا التعديل سيعتمدان على ما إذا كانت العوائد الحقيقية المرتفعة ستستمر، أم ستبدأ في التراجع استجابةً لإشارات ضعف النمو الاقتصادي.

 

وقف إطلاق النار يطلق شرارة ارتداد حاد في المعادن النفيسة

كان رد فعل السوق اليوم على إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران فورياً وحاداً؛ حيث شهد النفط الخام والوقود والمحاصيل المرتبطة بالوقود الحيوي عمليات بيع واسعة، بينما شهدت المعادن النفيسة والصناعية على حد سواء عودة قوية. ارتفع الذهب بنسبة 2% ليصل إلى 4,805 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ أسبوعين، بينما قفزت الفضة بنسبة 6% لتصل إلى 77.40 دولار، مسجلة أيضاً ذروة أسبوعين.

جاءت هذه التحركات مدفوعة بانعكاس العوامل التي ضغطت على الأسعار في الأسابيع الأخيرة؛ فقد انخفضت عوائد السندات مع تراجع مخاوف التضخم، مما سمح بظهور توقعات خفض الفائدة مجدداً. وفي الوقت ذاته، ضعف الدولار بنسبة تتجاوز 1%، مما وفر دعماً إضافياً للسلع المقومة بالدولار.

وكان أداء الفضة هو الأبرز، حيث استفادت ليس فقط من انخفاض العوائد وضعف الدولار، بل أيضاً من طابعها الصناعي؛ إذ أدى تحسن شهية المخاطرة وتراجع مخاوف الركود إلى دعم أسعار النحاس، مما عزز توقعات الطلب على الفضة عبر ارتباطها الصناعي.

 

الاستراتيجية والمراكز الاستثمارية

بالنسبة للمستثمرين، تؤكد حركة الأسعار الأخيرة على أهمية التمييز بين التقلبات قصيرة الأجل المدفوعة بالاقتصاد الكلي والاتجاهات الهيكلية طويلة الأجل.

من منظور "تكتيكي"، لا يزال الذهب حساساً للغاية لتوقعات أسعار الفائدة وتحركات العملات، مما يشير إلى أن "عنصر التوقيت" يظل حاسماً. أما من منظور "استراتيجي"، فإن مبررات الاحتفاظ بالذهب كأداة لتنويع المحافظ تظل قائمة، خاصة في بيئة تتسم بمخاطر جيوسياسية مرتفعة وحالة مستمرة من عدم اليقين الاقتصادي.

ومن الناحية العملية، يستوجب ذلك تبني نهج مدروس؛ فقد يرى المستثمرون طويلي الأجل في التصحيح الحالي فرصة لإعادة بناء مراكزهم تدريجياً، بينما قد يفضل المتداولون على المدى القصير انتظار تأكيدات أوضح بأن العوائد والدولار قد وصلا بالفعل إلى مستوياتهما القصوى.

google-playkhamsatmostaqltradent