بقلم: د فاطمة أحمد الزغول/ الأردن
تحمل مجموعة تقاسيم الفلسطيني القصصية
للأديبة الأكاديمية سناء الشعلان رؤية تسجيلية سياسية وطنية تاريخية، صورت فيها
الأديبة الأردنية من أصل فلسطيني قضية وطنها السليب، وديارها المغتصبة، وصراع
الأنا الفلسطينية المتمسكة بجذورها الوطنية، مع الآخر الذي جاء من أصقاع الأرض
ليقتلعها من هذه الجذور، وينتزع منها المكان والانتماء والهوية بقوة السلاح،
وبتأييد من قوى فقدت إنسانيتها أمام المصالح الاقتصادية.
تشكلت عتبات المجموعة من عتبة العنوان
المركب (تقاسيم الفلسطيني) وتحتها مجموعة قصصية، ولوحة الغلاف التي غطت الواجهة
الأمامية من الغلاف، وتحمل ملامح وجه الأديبة سناء الشعلان وقد تشكلت هذه الملامح
من المعالم البارزة لأرض فلسطين ومقدساتها، وكأنها تقول للمتلقي من العتبة الأولى
للمجموعة، أن الفلسطيني تشكلت ملامحه من ملامح وطنه ومعالمه، فهو كالنبتة التي نمت
من تراب الأرض حاملة خصائصها، منتمية إليها، فكلمة تقاسيم جمع تقسيم، والتقاسيم
تعبّر عن الملامح الشكلية للإنسان والأرض والكائنات الآخرى، هذه الملامح التي
تتشكل متأثرة بطبيعة الأرض والحياة، كما أن التقاسيم كلمة تصور اللحن الموسيقي غير
الموزون وغير المقيد إلا بالمقام، فهو مرتجل حرّ في تركيباته اللحنية وانتقالاته
المقامية، وهذا المفهوم يمثل أسلوب التجريب الذي انتهجته الأديبة الشعلان في
مجموعتها، كما قدمت الأديبة إهداء مجموعتها إلى أمها الفلسطينية، وإلى شخصيتين من
الشخصيات الفلسطينية (مدين فضيلات، وعطا الله الحجايا) التي وصفتها بالصمود
والقوة.
اختارت الشعلان لمجموعتها التي صنفتها
بالقصصية قالبًا شكليًا خاصًا يحمل طابعًا تجريبيًا، فقسمت المجموعة الكلية إلى
سبعة مجموعات فرعية، تحمل كل مجموعة عنوانًا يعكس جانبًا من جوانب ملامح القضية
الفلسطينة، ثم تجتمع هذه المجموعات الفرعية لتشكل صورة شاملة تجسد موضوع الصراع
الفلسطيني في مواجهة المحتل الصهيوني، في قالب مكتمل العناصر، يشبه مسلسلًا
دراميًا من عدة حلقات تجمعها وحدة عضوية، فبدأت بتقاسيم الوطن، الملمح الأساس،
والركن الأصلي للصراع في هذه القضية، ولذلك ضم العدد الأكبر من قصص
المجموعة، إذ تكون من خمسة وثمانين قصة، تحت عنوانات معضمها فردية (أشجار، الأم ،
الأرجوحة، أقدام، إغتصاب، ...) كما وردت بعض النصوص تحت عنوانات مركبة، مثل (إصابة
هدف، ثوب زفاف، وحليب سباع، ...) وكل نص فيها يقدم مشهدًا من مشاهد القتل والظلم
الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على أرضه، وبقائه رغم ذلك صامدًا في وجه المحتل،
متمسكًا ببقائه.
والعنوان الثاني: تقاسيم المعتقل، وهو جانب من
معاناة الشعب الفلسطيني في صراعه مع العدو في السجون الإسرائيلية التي تحمل مشاهد
بشعة لمعاملة الصهاينة للمعتقلين،
والثالث: تقاسيم المخيم الذي يمثل قسوة حياة الفلسطيني بعد التهجير القسري
عن مسكنه وأرضه، والرابع تقاسيم الشتات، الذي يصور حال الشعب الفلسطيني الذي أبعد
عن بلاده قسرًا في بلاد شتى.
أما العنوان الخامس فقد حمل اسم تقاسيم
العرب، إذ صورت الشعلان في طيات هذا العنوان موقفها الاحتجاجي على حالة الصمت
العربية أمام الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، وفي العنوان السادس:
تقاسيم العدو، جسدت الشعلان صورًا لبشاعة هذا العدو الصهيوني، وهشاشة قوته
الأسطورية المتوهمة التي استطاع الجيش الأردني هزيمتها في معركة الكرامة، والتي لا
تقاتل إلا من وراء الجدر المحصنة.
وضمت المجموعة الفرعية الأخيرة التي أخذت
اسم البعث خمس قصص، قدمت فيها الشعلان تصورًا غرائبيًا لمستقبل القضية، قرنته
بقداستها، وبانتصار الحق على الباطل في النهاية مهما طال وعلا، وملامح هذه القداسة
المتعلقة في القضية الفلسطينية، حاولت الشعلان أن تظهرها في عدة جوانب في
المجموعة، ومن أبرزها اختيار العدد سبعة للمجموعات الفرعية التي حملت جوانب القضية
الفلسطينية، وهذا العدد مقترن بالسبع المثاني، وهي سورة الفاتحة، وكذلك صورت جانب
القداسة في مشهد البعث، إذ يبعث الناس حاملين أعمالهم، أما الفلسطينيون فيبعثون
حاملين فلسطين على رؤوسهم لتشفع لهم جزاء دفاعهم عنها وتمسكهم بترابها.
سجلت الشعلان في مجموعتها مواقف ومشاهد
واقعية من عمق معاناة الشعب الفلسطيني، في صراعه اليومي مع المحتل الصهيوني، حيث
لا سبيل إلى التعايش السلمي بين شعب انتزعت منه حقوقه الوطنية على تراب وطنه، وفقد
الأمن والأمان، وبين محتل يرفض هذا التعايش، محتكمًا إلى قوة السلاح في تهجير
الشعب الفلسطيني عن أرضه، والاستيلاء عليها من أجل التوسع في بناء المستعمرات، على
حساب السكان الأصليين للمكان، فقدمت الشعلان مشاهد من واقع هذا الصراع اليومي،
محتكمة إلى خبرتها بهذا الواقع بحكم انتمائها الفلسطيني الذي يدفعها لمتابعة
الأحداث وتسجيلها، فلم تهمل جانبًا من جوانب القضية، بل سجلت مواقف أبرزت من
خلالها كل ما يتعلق بأسباب استمرار هذه المعاناة لقرابة قرن من الزمن، كالخلافات
الداخلية بين الفصائل الفلسطينية المقاومة، ومواقف خيانة بعض الأبناء لقضية أمتهم
بالعمل مع العدو الصهيوني، وتقديم المعلومات الاستخبارية له مقابل المال، والصراع
على السلطة الشكلية التي لا تهمها قضية الوطن بقدر ما تهمها المصالح الذاتية
الآنية، فقدمت هذه المشاهد بقوالب سردية حكائية مكثفة موظفة الواقعية السحرية.
والواقعية السحرية مدرسة أدبية تقوم نصوصها
الأدبية على المزج بين عنصري الخيال والواقع دون الابتعاد عن الأسلوب الموضوعي في
القص والحكي، فنصوص المجموعة صورت الواقع بصورة غرائبية ساحرة، قدمت من خلالها
الشعلان الشخصية الفلسطينية بصورة الكائن الخارق الذي يواجه كل التحديات من أجل
البقاء على أرضه، والتمسك بحقه في الدفاع عنها، فالأم (خضرة) التي لم تنجب في قصة
(الأم)، كرست حياتها في العمل بالتجارة وجمع المال لتقدمه للأسرى، إذ أصبحت أمًا
لجميع الأسرى، والمؤذن المسن الذي رفض أوامر الجندي الصهيوني بالعودة إلى بيته
وترك أداء الآذان، فنالته رصاصة الجندي وأردته قتيلًا، لكن روحه صممت على رفع
الآذان في وقته، فغادرت الجسد، وصعدت إلى المإذنة ورفعت صوت الآذان في سماء مدينة
الخليل، وبطون الأمهات الفلسطينيات في قصة المعجزة التي تعج بالتوائم، حتى العواقر
منهن، لتنجب رجالًا يدافعون عن وطنهم فلسطين، والأم التي سلمت وحيدها للعقاب
بالقتل عندما اكتشفت أنه خان وطنه وأصبح جاسوسًا للعدو، وغيرها الكثير من النماذج
التي قرنت فيها الأديبة الشعلان بين الواقع وسحر الخيال، كي تجذب المتلقي إلى
غرابة المشهد السردي، رغم واقعيته.
وظفت الشعلان الفنتازيا والأسطورة في
المجموعة الفرعية الأخيرة لمجموعتها، والتي تحمل عنوان البعث، فسجلت مشاهد خيالية
خارقة للعادة حول نشأة الفلسطيني الأول وصناعته للتماثل التي تشبه وطنه، ثم طرده
من بلاده، وطوفانه للعالم ثم عودته إلى وطنه، تحت عنوان (تمثال)، وقدمت صورة أخرى
لقتل الصهاينة لعدد عملاق من الفلسطينين ونثر رفاتهم مع الريح ، واحتفالهم بالقضاء
على شبح العودة، لكن الريح سخرت من نباحهم، وجمعت رفات الشعب الفلسطيني لتعيده مرة
أخرى ، كأسطورة طائر الفينيق.
كما ظهرت الفنتازيا في بقية قصص المجموعة
الفرعية الأخيرة في قصة (المنجل، والوحام، والبعث)، فالأديبة الشعلان أنهت
مجموعتها بنصوص خيالية أسطورية، لتقول للمتلقي إن عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه
بعد كل هذا الدمار، سكون بمثابة الأسطورة.
جاءت نصوص المجموعة متفاوتة في الطول
والقصر، فرغم تسميتها من قبل الكاتبة بالمجموعة القصصية دون تحديد النوع القصصي،
فإننا نقرأ من بينها نصوصًا قصصية قصيرة جدًا، وأخرى على شكل أقصوصة، وكلها تجمعها
الوحدة الموضوعية التي تجعلها متتالية الحلقات.
أما اللغة فقد وظفت الأديبة الشعلان اللغة
البسيطة الخالية من التعقيد، والمباشرة في الطرح، فهي تسجل واقعًا واضح المعالم،
لا يحتاج إلى إيحاءات رمزية لتفسيره، لكنها جملت هذا الواقع رغم بشاعته بالصور
الخيالية التي جسدت من خلالها لحن الصمود الأسطوري للفلسطيني على أرضه.

.jpg)