recent
أخبار ساخنة

(تقاسيم الفلسطينيّ) لسناء الشّعلان: كيف تُروى حكاية شعب سُرقت أرضه؟

 





بقلم: منذ اللالا/ الأردن
 فيمجموعة تقاسيم الفلسطيني، لا تقدّم الدكتورة سناء الشعلان إجابة مباشرة أو سردية مكتملة عن هذا السؤال، بل تترك القصص نفسها تنسج الإجابة عبر تفاصيل الحياة اليومية، حيث يعود الفلسطيني من موقع التجريد السياسي إلى فضاء الإنسان العادي؛ الإنسان الذي يعيش تناقضاته كاملة: يحب ويخاف، يتذكّر وينسى، يقاوم ويُنهك، ويواصل الحياة رغم هشاشتها. في هذه النصوص، لا يظهر الفلسطيني بوصفه أيقونة خطابية للمعاناة، بل كذات حيّة تتحرّك بين الفقد والنجاة، وبين الذاكرة بوصفها عبئًا، والذاكرة بوصفها وسيلة للبقاء.

 

يأتي هذا العمل ضمن مشروع سناء الشعلان الأوسع لتجاوز الصور النمطية الغربية عن الفلسطيني، عبر إعادة تقديمه بوصفه موضوعًا معرفيًا وثقافيًا، لا مجرّد حالة صراع أو ملف سياسي. وهو مشروع يكتسب دلالته في لحظة تاريخية شهدت انهيار السرديات الكبرى، وتحويل الفلسطيني في الخطاب الدولي إلى ما يشبه «مشكلة إدارية» تُدار بالأرقام والتقارير، لا بوصفه إنسانًا له حياة وأسئلة وذاكرة.

 

ما يميّز تقاسيم الفلسطيني أنها لا تكتب الفلسطيني خارج الزمن، ولا تحبسه في سردية الضحية الصامتة، بل تُعيد إدخاله إلى الزمن الإنساني العادي؛ زمن التفاصيل العابرة التي تصنع المعنى: علاقة بالأم، خوف طفل، جسد يتعب، وحنين لا يجد لغة نهائية. وبهذا المعنى، تشتغل المجموعة على تفكيك الصورة النمطية التي طالما اختزلت الفلسطيني في ثنائية قاسية: إمّا لاجئ أبدي أو غائب بلا صوت، لتقدّمه ككائن يفكّر، ويخطئ، ويعيد طرح أسئلته في كل مرة.

 

تنجز سناء الشعلان في هذه النصوص ما يمكن تسميته أرشفةً مضادّة للحياة الفلسطينية؛ أرشفة تعمل على كسر الثنائية الغربية التي اختزلت الفلسطيني طويلًا بين صورتين نمطيتين: «اللاجئ الأبدي» و«الإرهابي الغائب عن الحداثة». غير أنّ هذه الأرشفة لا تواجه السردية المهيمنة بشعارات مباشرة، بل بتكثيف التجربة الإنسانية ذاتها، وبالانحياز إلى التفاصيل التي حاول الخطاب الكولونيالي طمسها أو تحويلها إلى مادة للاستهلاك الأخلاقي. فالقصة هنا لا تشرح الواقع ولا تُجمّله، بل تُربكه، وتضع القارئ في مواجهة إنسان يشبهه أكثر مما يتوقّع؛ إنسان لا يُطلب التعاطف معه بقدر ما يُطلب الاعتراف بوجوده الكامل.

 

من هذا المنظور، لا يمكن قراءة تقاسيم الفلسطيني بوصفه نصًا تعبويًا أو بطوليًا، بل بوصفه نصًا قلقًا، يرفض الهوية المغلقة والصورة المكتملة، ويضع الفلسطيني ضمن أفق ما بعد القومية، حيث يظهر الإنسان الفلسطيني متعبًا، متناقضًا، وأحيانًا ساخرًا من ذاته، بعيدًا عن صورة الهوية النهائية أو البطولة الصافية.

 

يتجلّى هذا المنحى الإنساني بوضوح في عدد من نصوص المجموعة. ففي «تقاسيم المخيّم»، لا يُقدَّم المخيّم بوصفه رمزًا سياسيًا جامدًا، بل فضاءً يوميًا مكتظًا بالحياة والاختناق معًا؛ مكانًا يتشكّل فيه الوعي الفلسطيني عبر تفاصيل صغيرة: جسد متعب، خوف عابر، وذاكرة تُورَّث دون وصايا. هنا يصبح المخيّم زمنًا متكرّرًا أكثر منه مكانًا، وتتحوّل المعاناة إلى جزء من إيقاع الحياة، لا إلى خطاب استثنائي عنها.

 

وفي «تقاسيم المعتقل»، تبتعد الكاتبة عن البطولات الجاهزة، وتكتب تجربة الأسر من داخل هشاشتها الإنسانية؛ حيث يغدو الجسد ساحة صراع، ويغدو الوعي آخر ما يمكن للإنسان أن يحميه. المعتقل في هذا النص ليس رقمًا ولا حالة عامة، بل ذات تفكّر، تراجع نفسها، وتقاوم التفكك عبر اللغة والذاكرة، في كسر واعٍ لصورة الفلسطيني كضحية صامتة، وإعادة إدخاله إلى زمنه الإنساني بكل ما فيه من ضعف وقوة معًا.

 

أما «تقاسيم الشّتات»، فتشتغل على الاغتراب بوصفه حالة وجودية لا تقل قسوة عن الفقد المكاني. الفلسطيني هنا يعيش في المسافة بين ما كان وما لا يمكن أن يعود، وتغدو الهوية سؤالًا مفتوحًا لا إجابة نهائية له. لا حنين رومانسيًا في النص، بل وعي حادّ بأن الذاكرة، على قسوتها، هي آخر أشكال النجاة الممكنة.

 

وفي «تقاسيم الوطن»، لا يُستعاد الوطن بوصفه صورة مثالية مكتملة، بل كيانًا متشظّيًا، حاضرًا في اللغة أكثر مما هو حاضر في الجغرافيا. الوطن يُبنى سرديًا عبر الحكايات الجزئية، لا عبر خطاب كلي، وهو ما يمنح النص صدقه وقوته الإنسانية.

 

تتضاعف أهمية إعادة قراءة تقاسيم الفلسطيني اليوم، بعد أكثر من عامين على «طوفان الأقصى»، وفي لحظة تتجدّد فيها أسئلة التمثيل والصورة ومعنى الوجود الفلسطيني في الخطاب الإعلامي والسياسي العالمي. ففي زمن يتعرّض فيه الفلسطيني مجددًا لمحاولات الاختزال والمحو، تأتي هذه النصوص لتؤكّد أن الحكاية لا تُروى بالصوت العالي وحده، بل بالإنصات العميق للتفاصيل التي تصرّ على الحياة.

 

بهذا المعنى، تكرّس تقاسيم الفلسطيني كتابةً تُعيد تقديم الفلسطيني لا كرمز مغلق ولا كقضية مجرّدة، بل كإنسان يعيش حياته اليومية بكل تناقضاتها، ويصرّ على الوجود داخل اللغة، وعلى النجاة بالذاكرة في مواجهة المحو، تاركًا حكايته مفتوحة على احتمالات الحياة، رغم كل شيء

google-playkhamsatmostaqltradent