recent
أخبار ساخنة

قصص قصيرة متنوعة بقلم صبحة بغورة

قصص قصيرة متنوعة بقلم صبحة بغورة 

قصص قصيرة متنوعة بقلم صبحة بغورة

اشـــــتباك عاطفــــــــــي

جلس يرتشف قهوته كعادته كل مساء في شرفته التي تطل على الشارع التجاري الكبير بالمدينة، كان أكثر ما يسعده رؤية الطائرات تمر فوقه بين الحين والآخر على ارتفاع منخفض وهي تتهيأ للهبوط بالمطار القريب من منزله ، يتأمل الأضواء الساطعة تنبعث منها ويتمنى لو كان ضمن ركابها . في مثل هذا الوقت تبدأ الحركة تدب دفعة واحدة على جانبي الطريق وتتحلى واجهات المحلات ، لم يكن يهمه كثيرا أن يراقب فنجانه وهو يرفعه في كل مرة إلى فمه، فعيناه لا تغادر المارة ولكن ليس كلهم ، النساء منهم يجذبونه أكثر وهذا في نظره من مزايا السكن بالأدوار السفلى التي تتيح الرؤية إلى التفاصيل بشكل أفضل  تمنى لو أنه في وضع مالي يسمح له باستغلال موقعه هذا لتحقيق الاختيار الأصوب  فهو لا يزال ينتظر الرد على طلبات العمل التي قدمها إلى عشرات الجهات  بعدما أنهى دراسته الجامعية وأدى الخدمة العسكرية ،أصبح لا يطيق صبرا على البقاء عاطلا عن العمل والانتظار أكثر من ما مضى بدون جدوى، وجد في شرفته مكانا مؤنسا يخفف عنه الملل وحيث لا يشاركه وحدته وتأملاته فيه أحد، تذكر كم كان اجتماعيا وكثير الأصدقاء وكيف أن مشاغل الدنيا ألهته عنهم فانصرفوا عنه، يعلم أنه لم يدخل دائرة المكابدة والمعاناة اليومية لأنه ليس بعد في وضع من يتحمل مسؤولية أعباء أسرة كباقي أقرانه ، كما أنه ليس كمثل من وقع منهم سريعا في شر التيه العاطفي الذي أدى بهم إلى تناسل الأخطاء، هز رأسه موافقا ما تلقاه من وحي نفسه الذي وجد فيه تحذيرا أكثر منه تذكيرا لماضي أو تفسيرا لواقع ، وبينما هو كذلك مرت أمام عينيه تلك الفتاة التي كان قد اعتاد رؤيتها من قبل في مثل هذا الوقت عائدة من العمل،كانت قد شغلته بأناقتها ورشاقتها وحسنها وبخطواتها الواثقة وهاهي تعود إلى الظهور بعد غياب دام أياما أصيب خلالها بالأنيميا العاطفية،وجدها تماما كما عهدها فوقف منتصبا كمن يريد أن يسترعي نظرها وفعلا لفت انتباهها ولكنه رأى في عينيها معاني اختلطت عليه في نظرتها إليه ، أهو تعجب، أم إعجاب ؟ مرت سريعا وتركته حائرا، لم يجد تفسيرا لحيرته هذه ، أهو الشوق إلى من تعود التمتع برؤيتها؟ أم هي مجرد الفرحة بنهاية حرمانه من تسلية ألفها، كل ما يعرفه أنه أثارت هذه المرة شيئا في نفسه شغل عقله وحرك قلبه.

في اليوم التالي قرر أن لا يبقى بالشرفة وقت مرورها بل يلتقيها وجها لوجه في الشارع ، مرت في وقتها المعتاد رفعت عينيها نحو شرفته، حمحم بلطف وعن قصد واضح .. فوجئت به على بعد خطوات منها فأسرعت الخطى مارة أمامه على استحياء لافت ورمقته بنظرة تحتية خجولة، لم يكلمها بقي مشدوها وكأنه لم يصدق أنها بكل هذا الجمال الفاتن ، ظلت عيناه لا تغادرانها إلى حيث مضت حتى غابت وغاب هو عن الدنيا ، لم يدر كيف عاد إلى منزله ولا لماذا استلقى على سريره ، طاب له أن يستحضر ما بقي له منها صورتها المشرقة بجمالها ورائحة عطرها الأخاذ ونظرتها الخجولة الناعسة وشعرها الأبنوسي المنسدل بلطف على كتفيها كوشاح أسود ، تساءل في نفسه عن سر إسراعها الخطى لما رأته.. هل خشيت منه تحرشا..؟ أم أنه منفر إلى هذه الدرجة ؟ أم ماذا بالضبط .. حاول أن يقنع نفسه بأن لا شيء  أكيد من كل هذا ، ثم استسلم وخضع للتأويلات المتنمرة الماكرة منها والمتناقضة وبينهما كمنت خيالات المؤامرات وعششت أوهام الاحتواءات التي لا يطيق صاحبها صبرا حتى ينتهي من النسج الدقيق لخيوطها ثم يتمتع وهو يرى سهامه قد نفذت.

وقف ينتظرها في اليوم التالي في نفس الميعاد وقد بيت لها في نفسه أمرا ، بقي منزويا إلى أن ظهرت له من بين جموع المارة قادمة نحوه فخفق قلبه سريعا وتقدم خطوتين إلى منتصف الرصيف وأنفاسه تتلاحق حارة يسمع لها صوتا كالفحيح ،أقترب منها مرتبكا وقد جف حلقه من الاضطراب وبمجرد اقترابها منه مال عليها فأومت هي برأسها نحوه في دلال كمن تستعد للسماع ،همس لها بكلمتين طغى عليهما أزيز مزعج لمحركات طائرة عملاقة صم أذنيه وما إن مرت حتى كانت هي قد ابتعدت عنه كثيرا ولكن تركته هذه المرة في شك كبير من أمره ، عاد خائبا إلى منزله يندب حظه العاثر، ولكن الواقع أصبح يحمل ما يبرر انشغاله بالأسئلة الحائرة ، هل سمعت حقا كلماته بوضوح ؟ هل فهمتها ؟ وهل ستتقبل معانيها ؟ هنا تذكر إيماءتها نحوه فتشجع أكثر لإعادة المحاولة وبات مصمما على عمل ما فهو يعلم أن المرأة كائن سمعي تستمتع طويلا بكلمات الغزل وحلو الحديث وتميل لمن يجيد شدو أغرود الحب والحياة ويوقد مصابيح الرومانسية في النفوس ويشعل نيران المحبة في القلوب، قضى ليلته يجتهد في محاولة استعادة ما مر عليه من العبارات العذبة ويحفظ أشعار الغزل وكلمات الأغاني الرومانسية الرقيقة ويستمع لأغاني الحب الدافئة تخرق صمت لياليه الباردة التي  ظلت هكذا دائما طوال فصول السنة الأربعة ،وبين أغنية "أنت عمري "  و"أنت الحب" بات مشغولا بسيرة الحب ، وبينما هو غارق في ذلك كانت هي تقضي وقتا من الليل تحضر أفضل ما لديها من المكياج والملابس لتظهر بها غدا مميزة بجمالها منفردة بسحرها ، لقد كان اهتمامها بسماع ما سيقوله أكبر من أن يعيقه أزيز طائرة أو حتى هدير محركات قطار، نعم ، لقد سمعت كلماته جيدا وكم كانت تنتظرها منه، فهمت معانيها قبل أن يبوح بها، وأدركت ما عليها فعله، هي تعلم أن الرجل كائن بصري يتمتع كثيرا بحاسته البصرية بشكل غريزي حتى ولو عن غير عمد، وكأن كلاهما أراد أن يكون الغد أفضل أيامهما، يكون حفلة حياة ووليمة فرح ولحظة لقاء جميل .

جاءت اللحظة المنتظرة ، أرسل نظرات الشوق إليها وهي قادمة نحوه من بعيد ، اقتربت وهي تخطو متمايلة كزهرة برية تتراقص بفعل النسيم العليل يكاد الناظر إليها يتنسم رحيق الأقحوان ، تحدثت ملابسها لغة تشكيلية مليئة بالإيحاءات الرمزية التي تحمل الأبصار إلى تناسق حركتها حيث يلتقي تصميمها بسحر ألوانها فيترجمها كل ناظر إليها على طريقته، مرت أمامه متعمدة مغازلته بلغة الصورة فأسقطت من يديها أوراقا على الأرض ، وبينما هي تجمع ما تبعثر منها بقي هو مشدوها، قدماه مشدودتان إلى الأرض ، مشلولا، لم يجد ما يفعل ، خشي أنظار الناس وتعليقاتهم لو انحنى يساعدها في جمع ما تناثر من أوراقها فمنهم لاشك من سيعلق ساخرا أنه أراد ماكرا أن يجعل هذه الصدفة فرصة للتعارف ،لملمت ما تناثر من أوراقها وجمعت في الوقت نفسه ما تبعثر من عواطفها على الطريق ، فشلت حين أرادت منحه في هذه اللحظة فرصة بصرية له ، مضت بعدما خاب أملها في أن يكون الموقف كلقطة فيديو تمثل عرضا خاطفا بأحداث كثيفة ، ظل ساهرا إلى ساعة متأخرة يتذكر ما جرى وما كان منه، وكيف فشل في اختبار الجدارة وكأنه لا يزال يعاني من آثار الأنيميا العاطفية ، بات يلوم نفسه كثيرا على ضياعه فرصة تعارفه بها، خاصة بعدما أدرك أن أوراقها لم تسقط عفويا بل كان عن قصد وبنية مسبقة منها ، بات مشغولا بها إلى حد القلق بينما هي كانت في نفس اللحظة تغط في نوم هادئ وعميق وكأن لا شيء مما مر عليها شغلها أو أصابها بالأرق.

نهض بعد منتصف نهار اليوم التالي مستنفرا أكثر من أي وقت مضى ليضع حدا يرضيه ، رفض أن تكون المشكلة واضحة وأن يكون حلها أكثر وضوحا ومع ذلك تبقى قائمة فاستمرارها سيعني لديه استمرائها وسيحتاج الأمر منه قوة إقناع نووية، تأهب في الوقت المعتاد ليراها ويصارحها بتعلقه بها، ويبوح لها بحبه ،انتظرها بكل والشغف بها في الوقت المعتاد وفي المكان الذي سقطت فيه أوراقها بالأمس،انتظرها بكل اللهفة عليها وفائض الحب في عينيه لا تخفيه نظراته، ولكن طال انتظاره ، أصابه بعض القلق وبقي في رواح ومجيء، ومع مرور الوقت لاحظ بعض المارة اضطرابه الشديد، وعصبيته الزائدة ، لقد مر وقتا طويلا ولم تظهر، يشعر كأن القدر قد حرمه من حقه في التمتع بسحر آيات الحسن فيها، وفي غفلة منه ارتفع الآذان مدويا معلنا صلاة الجمعة ، استغفر وتوجه إلى المسجد عله يداوي ما أصابه من تسمم عاطفي عطل لديه الإدراك وأعاق حسن تواصله فصعب عليه التأقلم في كل الأحوال، وعلم أن عسر الحال قد يحرم الناس من متعة الحلال ، وبعدما فرغ من صلاة الجمعة عاد إلى منزله وقد انطفأت في صمت شمعة في ذاكرته .

                             الحب وحــده ، لا يكفــــي ..

كان يعلم أن تفكيره العميق في ملامحها سيتطلب جهدا وسيدوم وقتا فهو يريد اقتحام المناطق المظلمة التي لم تسعفه الظروف من تبين معالمها بوضوح ، يتذكر أحمد جيدا  كيف كان لقاؤه بها صدفة عندما مرت به الحسناء سريعا في حفل زفاف صديق له، وكيف كان شعرها الأصفر المائل للحمرة يتطاير على وقع خطواتها الرشيقة ، لم ينل منها حينها سوى تحية مجاملة باسمة سكنته كحلم جميل ظل يغازله مع بعض من كلماتها التي لم يستوعبها جيدا ولكن صوتها الدافئ ترك صداه يتردد في نفسه كاللحن الجميل، بات ليلته ساهرا وكلما أطال التفكير فيها أدرك أين تكمن قيمة اللحظة ، يجد نفسه أمام طريق بحاجة فيه إلى معالم تحدد بدايته وتبين نهايته، انه الآن لا يملك إلا أن يتمثلها كما لمحها تختزل بتفاصيلها الحياة بكل أفراحها، تذكر فستانها الجميل ، نعم فستانها الطويل الأزرق ،اللون المفضل لديه الذي يمنحه متعة الشعور بالراحة والاسترخاء تماما مثلما منحها في الحفل تلك الثقة الكبيرة بالنفس فبدت في سعادة غامرة ، كان فستانها ينزف زرقة وتثير كل طية فاخرة فيه تخيلاته الوحشية ، هم بالتوقف عن التفكير فيها بعدما ارتفعت درجة تشويقه إليها وأصبح كلامه روائيا أكثر منه موضوعيا ولكن أدخله ذلك في لحظة قاتمة كادت أن تصيبه بالفقر العاطفي فتراجع بما يشبه تأييد ما تلقاه من وحي نفسه انه يصعب عليه التعامل مع الوضع وفق منطق الهدنة العاطفية، وما كاد ينساق ثانية وراء عرائس مخيلته حتى استسلم إلى غفوة أوقفت إلى حين حدة احتقانه الفكري، ثم لم يلبث أن اخترق الغيوم شعاع نور تسلل إلى غرفته ، نهض وتناول قهوة الصباح واقفا وراء نافذة عريضة تطل على منتزه واسع، سره ما رأى من بهاء الطبيعة وصفاء الجو فانشرح صدره وتولد في نفسه إيمان قوي بوجود أمل كبير في فرصة أخرى للقاء قريب مع من شغله حسنها الليل بطوله.

 من يفتح قلبه تتغير نظرته إلى العالم، هكذا كان حاله وهو في طريقه  نشيطا إلى العمل، وهكذا صمم أن يكون بعدما أدرك أن كل إنسان يحمل عالمه في قلبه، انه من الآن الرجل الباحث عن الحب الذي لم تسمح له هموم عمله اليومي أن يتذوق حلاوته ، تمنى صدفة أخرى يلتقي فيها بالحسناء ذات الرداء الأزرق لتكون فرصته لذلك، ولكن تساؤلات حائرة ببعدها القدري فرضت نفسها عليه، هل أحبها فعلا..؟  علم ذات يوم من صديقه  "العريس" أنها تعمل في إحدى شركات الهاتف النقال وأنها صديقة لزوجته، توجه إلى مكان عملها وفورا عرفها، وبسهولة عرفته ، تعمد أن تنهي هي بالذات إجراءات حصوله على خط هاتفي جديد تكون أرقامه سهلة الحفظ ، تمعن فيها جيدا وقرأها ببطء وردده على مسامعها عدة مرات ثم حياها بلطف وانصرف، كان عليه إن ينتظر أياما حتى يسمع صوتها ذات مساء، دامت المحادثة مدة سرعان ما تحول خلالها السؤال عن سلامة خطه الهاتفي الجديد إلى حوار عذب أوصلهما إلى مستوى مريح من التعارف ، توالت اتصالاتهما الهاتفية فيما بعد وزاد تعلقهما ببعض،

 فكان البوح الجميل عن المشاعر الرقيقة المتبادلة الذي دفعهما إلى إجادة رسم صورة المشاعر وتلوينهاياماأياما

 ، أنهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة ولكن تكونت بينهما مساحة عاطفية استفزت الكلمات العطرة والحديث الناعم والفهم المتعاطف وأصبحا لبعضهما سكنا بلا عنوان ، ثم دق القدر أوتاره فشكل لحنا عذبا ردده قلبان عن بعد بكلمات المجاملة والانبهار على أمل اختيار مكان الانتظار.

بعد أيام تمكنا من تحديد موعد لقائهما ، لم يكن الأمر معقدا بقدر ما استلذا عذاب الوجد وكأنهما استأخرا الوصال عمدا لتكون مشاعر الأشواق أعمق والحنين أكبر  أراد هو منذ البداية أن يحدث الدهشة بعبارات رقيقة ، دقيقة وبالغة المعنى، لم تستطع أن تجاريه على نفس المنوال، جاءت كلماتها إرهاصات غبر موضوعية، لاحظ تعثرا ملحوظا ليس في مستوى تفكيرها فقط إنما في مهارات التعبير عن مشاعرها وبلاغة التعبيرعن رأيها، فكان ذلك البداية لخلخلة فكرته عنها خاصة عندما تعمدت تحويل كل حديث له إلى موضوع ملتبس في كلماته تشوبه الضبابية أكثر من الوضوح فعطلت بذلك عملية تخصيب الشرط الموضوعي لانتعاش الحوار أو تأجيج الرغبة في مواصلته، كان انبهاره بجمالها ستارا أخفى وراءه انزعاجه منها ومع ذلك لم يشأ أن يمدد عمر اللقاء أكثر.. فغادرها .

                   لا أستطيع أن أضمن لك صمتــي

في يوم رائق وناعم صادف وجود أميرة ذات الأربع وعشرين ربيعا في الحديقة الجميلة المجاورة لمنزلها الصغير مرور الشاب أحمد الذي يكبرها بعامين بنفس المكان ، كان بيدها قصة بلغة أجنبية وكان بيده كتاب يقرأه من اليمين ، كلاهما مستغرق في ما يقرأ، كانت جالسة على أريكة خشبية بينما هو كان بين رواح ومجيء يسير بخطوات متأنية وعيناه لا تغادر صفحات كتابه، استوقفته عبارة فتوقف عندها عن السير وكان توقفه غير بعيد عنها ، تمعن قليلا في ما قرأه ثم رفع نظره عن الكتاب فوقع بصره عليها، كانت أمامه تلاحظه  بعدما توقفت حشرجة احتكاك أقدامه بأوراق الأشجار المتناثرة ، رمقته من أعلى نظارتها ثم نزعتها بلطف وتأملت الموقف ثم أزاحت برفق خصلات من شعرها الكستنائي إلى الوراء، أسره هدوؤها وليس جمالها فليست كل امرأة جميلة عنده تكون طيبة ولكن كل امرأة طيبة جميلة، قرأ من هدوئها في عينيها كثيرا من التأمل والحكمة، فللهدوء جماله، تقدم نحوها وبعد التحية اختار لنفسه مكانا ليس بعيدا عنها، تعارفا في يسر وتحادثا كثيرا، كان سردها عابقا بجنون اللحظة ورحيق رغباتها، رأى فيها فنانة حساسة ترسم صور المشاعر وتلونها وتقدم ببلاغة عشقها وتستطيع أن تصل إلى ما تريد بجاذبية ودون خلاف، أدرك أنها ليست من بائعات الهوى في الطرقات كأوراق نثرتها ريح مدرسة الحياة فتشكلت بينهما سريعا مساحة عاطفية تمتزج بلوعة الفقد ، فكان ذلك بمثابة الوقود الذي غذى لديه كوامن الرغبة، ،ولم يدر كيف وجد نفسه قابعا في قلب العاصفة الروحية لامرأة يسكنها الحب ولا تملك سوى الحب سلاحا وأملا في الحياة، ولكنه غادرها وكاد أن لا يفعل ، لقد تعود أن ينزل والحافلة تسير، غادرها وقد امتن كثيرا للقدر في ابتسامته له بمعرفتها.

كانت أميرة تعلم أنها تملك من الهدوء ما يجعل من نفسها امرأة يتمنى أي رجل الارتباط بها  وكان أحمد يدرك أن شفافية روحه وصدقه مبعث راحة وطمأنينة في نفس كل من يقترب منه كلاهما كان يتمتع بالقبول الرباني الذي يمنح الفؤاد والبصر السكينة والبهجة، فاجتمعت فيهما النشوة والمتعة، توالت لقاءاتهما وتوطدت علاقتهما،انجذبت إليه ولم يكن ذلك ممكنا  مع أي أحد من قبل، لقد وجدت ما كانت تنشده وتتمناه من سمات الرجولة الساكنة فيه والمفترضة في الفكرة والرأي والجسد والحسم في الموقف والقوة في العلاقة العاطفية ووجد هو فيها تركيبة المرأة الذهنية والنفسية والعاطفية بالقدر المناسب لإبراز الأنوثة الكامنة فيها الجلية في السلاسة والخنوع والتمنع الأنثوي والاستكانة. كان ميل كلا منهما نحو الآخر راسخا في النفس طاغيا على الروح ومتملكا العقل ومسيطرا على القلب، صارت تمضي لياليها في الكتابة، كانت مجرد بعض الانطباعات العابرة وجملة من الخواطر غير العابرة وأفكار كثيرة متضاربة دونتها بدون توقف، بينما انصرف هو للقراءة، أخذ يطوي الكتاب وراء الكتاب مهما كان موضوعه، ولكن بقي الاضطراب يسكنهما نهارا والأرق يلازمهما ليلا، ورغبة عارمة تلح عليهما أن يا حب تجلى، إنهما يعرفان تماما ماهيتها ويدركان جيدا طبيعتها، ويعلمان أنه بمقدورهما إخماد نارها المتأججة في نفسيهما، فكان ذلك اللقاء الذي أختار له مكانا رومانسيا ، كان فضاء الوحي فيه أكبر من مساحة الكلام، أطلقت لمشاعرها العنان بما تملكه من حس أنثوي منتصر للحياة ،تلاعبت بسلمية المعاني ثم ما لبثت أن تحولت إلى البلاغات الماكرة ، استفز حديثها الناعم أدواته بلغة شعرية عفوية وبحرارة القول وجماليات الشعر ووهج العاطفة، كان هو مختلفا عنها من حيث التوجه والنبرة والمسافة فلجأ لحيلة معرفة أدق التفاصيل عنها وبدا كعادة المحققين يتحرون وهم على حافة الانهيار العصبي ويغرقون اضطرابهم بالمهدئات، حدثته وأخبرته بكل ما يريد فقط من أجل أن تلتق عيونهما وتغترف من عمق نظراته ما يرضي شوقها إليه، لقد امتزج عندها النظر بالعاطفة فانساقت إلى عالم البوح، كان حديثها همسا دافئا ، لحنا شجيا، يتسلل إليه كترياق شافي للوعته، كانت أفضل ما تكون في عطفها الغريزي، حاول أن يكون ندا لها يبادلها إطلاق عرائس الكلمات، لم يكن يدري أن قلبه مازال نابضا وليس كما كان يظن في نهاية الخدمة، لقد عاشت لتسعد يوما بالحب أما هو فيريد أن يحب من يسعد معها بالحياة، اندفعا بكل الشوق في منزلق السقوط في فخ الوجه الآخر للعاطفة، كلاهما أتقن ممارسة الذكاء العاطفي وأجاد التعبير، وفي غياب اللحظة أوقف وليمة الجسد، لم يشأ أن يساير اعتقادها أن شيوع القمع والمنع وراءه معركة وهمية عنوانها الفضيلة والأخلاق، غادرها مرة أخرى وكاد أن لا يفعل، لقد أكسبته الحياة بعض فنون الخروج سالما من المكائد، كان يؤمن أن الخطيئة مفسدة لعلاقتهما وقد تضعهما في منظومة تناقضهما الحسي المنبثقة من منظومة توافقهما الروحي والعاطفي. 

هل هي حقا ثورة الحب ؟ هكذا تساءل وهو يجوب وحده تلك الحديقة التي صادفها فيها أول مرة وعديد الأسئلة فرضت نفسها على تفكيره وهو يمر على ذات المقعد الذي شهد ذات يوم تعارفهما، يعلم أن القلب الشاغر يحتاج لصدق المشاعر، فهل كان لسانها حقا ترجمان قلبها؟ وهل كانت أحاسيسها صادقة معه ؟ وإن لم تكن فكيف أصبح أسيرها ؟ نعم انه يحتاجها بجانبه ولا يعلم إن كان حقا أحبها أم فقط أدمنها ، في قرارة نفسه يشعر أنها تستحق أن يزرع لها في وجدانه ورودا للمحبة، استل هاتفه واتصل بها ، أراد أن يتخذ لوحا خشبيا يطفو به على الأمواج الهادئة حتى يصل إلى شاطئها، وقبل أن يكمل حديثه قاطعته بالموافقة، وافقت ولكن بشرط تمسكت به وهو أنها لن تستطيع أن تضمن له صمتها.. لن تتوقف عن البوح الجميل ، ولن تكف عن حبه ..

                               دمـوع على خفقات القلب

ما أعجب أن ينتهي بها المشهد تماما كما بدأ مع تهالك لياليها المتعبة تحت وسادة وجعها ، هكذا نشأت"بهية" في بيت كانت هي أكبر أخوتها وكلهن بنات ، تنام وتقبع في زوايا حجرات قلبها الصغير أحلامها البعيدة ورغباتها البريئة، ويشاء العلي القدير أن يهب  أسرتها الذكر بعد شوق كبير فكان المدلل دائما ثم كبر وهو المسيطر الذي يأمر وينهي ولا يرد له مطلبا، تحملت بهية المسؤولية وهي لم تزل طفلة صغيرة وكان عليها أن تتحمل أيضا تصرفات أخيها العبثية والطائشة  حتى كادت تفقد حق التنفس أمامه عاد أخوها  يوما من المدرسة كعادته مسرعا وطلب منها أن تحضر له طبقه المفضل البطاطس المقلية المقرمشة ، ولكنها اعتذرت لأن موعد انصرافها إلى عملها قد حان وعليها أن تكون في الموعد ، صرخ مناديا والده فأتاه مهرولا وأجبر بهية أن تحضر له ما طلبه قبل ذهابها إلى عملها بالرغم من أنها كانت قد أعدت طعام الغداء وأتمت تحضير المائدة ولكنه أصر على طلبه  فاضطربت وأسرعت وبدأت في التحضير وبينما هي تهم بوضع البطاطس في الزيت المغلي انقلبت المقلاة بين يديها فأحرق الزيت يديها وشوه جمالهما التي بهما كانت تساعد والدها وتعينه على توفير ما تحتاجه  أخواتها والمنزل ، التحدي الذي يملأ قلبها دفعها إلى الذهاب للعمل ، كان إصرارها كبيرا على أن تواصل الوقوف إلى جانب والديها في تنشئة أخواتها وأن تكافح من أجل إسعادهم ، ومرت عليها الأيام متشابهة ، تراها دائما مهتمة بمحاولة تحقيق التوازن في معادلة إرضاء جميع أفراد العائلة ، وعلى صعوبته كانت تقابل طلباتهم بابتسامة عريضة حيث كانت تجد في ذلك متعة ،وكثيرا ما كانت مضطرة تحت ضغوط جائرة أن تلتحف وشاح الصمت وتشرع بوابة السمع ببلاهة وتدخل في شبه حالة تفقد فيها نبرات صوتها وتضيع ملامحها بين أصوات أخرى ولكنها تصبر على أمل أن تغمرها مياه الدهشة الباردة حينما تباغتها المفاجأة على مدرج العمر، ثم أتى ذلك اليوم الذي التقت فيه فارس أحلامها ، يعمل موظفا بإحدى الإدارات التابعة لجهة عملها ، استلطفته لما احترمت فيه أخلاقه الطيبة ، ثم تمتعت بأيامها وهي تعيش أجمل الحكايات التي كتبها لها القدر بشذى ورود الدنيا، وكان يبادلها نفس الاحترام والإعجاب الشديد ببريق عينيها التي امتلأت فرحا لا تخفيه نظراتها الآسرة ، لقد رأت فيه حلمها الملون الذي زرع الأمل بين ضلوعها ، عبر لها عن رغبته في التقدم  لخطبتها مقتنعا بأن سماحة شخصيتها تمكنها من التعايش مع كل أفراد عائلته ، وفي اليوم الموعود تأخرت بهية في تحضير ملابسها وزينتها وبينما هي منهمكة وأفراد العائلتين يتبادلون أطراف الحديث الباسم طلبت أمها أن تقوم أختها " نرجس" باستدراك الموقف سريعا  فقامت بتقديم المشروبات والحلوى للحاضرين ، وما كادت تنتهي حتى حلت "بهية" وكانت على مسمى في أبهى حلة وأزهى زينة، ولكن المفاجأة كانت كبيرة وأصبحت كابوسا بمليون مخلب وألف رأس وكل رأس بلسان يمتص لون أحلامها وتسقط كلماتها الشاعرية التي أجلتها إلى موعد خطبتها في سراديب الصمت ، واحترقت فراشاتها المحملة بالأماني المنتظرة ، وتوقفت شفتاها عن الشدو، إذ بعدما رأى الخاطب أختها " نرجس" انبهر بجمالها فهمس من توه إلى أهله من حوله أنها هي من جاء لخطبتها  ووافقت عائلتها وتظاهرت بهية بالانشراح قليلا  بعدما وجهها أبوها إلى ضرورة الصمت والقبول بالأمر فلدية الكثير من البنات يريد لهن الستر العاجل ، وبأصداء فرح أجلته بعدما خاب أملها تراخت الظلمة على جسدها المستلقي في آخر الليل أغنية حزينة تبحر بها ألحانها الشجية إلى آت مجهول، سعادة أختها تهمها ولا يهمها نفسها ، ما تزال مستعدة للتضحية في كل وقت من أجل أخواتها ، مرت السنون سريعة لفرط ما عرفته من مناسبات سعيدة ومسرات فقد تزوجت كل أخواتها البنات ينما بقت هي تجلدها السنون بسياط من جمر الحياة ، كلام الناس لا يرحم ، قاربت على الأربعين من عمرها وأصبح شبح العنوسة يلوح لها في اليقظة والمنام كأقرب ما يكون.

لدى خروجها يوما من عملها مهرولة نحو الصيدلية لشراء دواء السكري لوالدها اضطرت حتى لا تتأخر بالدواء عن أبيها المريض إلى استئذان أحد الشباب كان ينتظر دوره للشراء ، فسمح لها بالمرور قبله لما رآها على عجلة ، راق له أدبها ولياقتها خاصة عندما شكرته ، لقد كانت الصدفة  التي خلقت الفرصة ليجري بينها التعارف سريعا ، ثم كان أن طلبها للزواج رغم فارق السن حيث كانت تكبره بعشر سنوات، كانت دخيلتها تحدثها أن عليها أن تثبت لمن لم يرحمها بلسانه أنها لا تزال مرغوبة ولم يفتها قطار الزواج ، وتم كل شيء بسرعة وانتقلت للعيش معه في بيته المتواضع، أخلصت له وساعدته بمالها الخاص وباعت ما كان لديها من ذهب لتوفر له معها الحياة الكريمة ، ولكنها تصطدم بواقع مغاير لشخص أعمى الطمع والجشع بصيرته،وذاقت منه كل أنواع الذل والمهانة لكنها كانت تكتم سرها عن أهلها ،أدركت أنها عبثا تقف أمام شلال العمر وعبثا ترسم بمفردها تضاريس جزيرة الحلم الجميل، قصدت يوما الطبيب بعدما أحست توعكا بعد الشجارات اليومية بينهما ،كان قد أنهكها حظها التعيس والشؤم الذي لا يبارحها ، أفاقت على صوت الطبيب يبارك لها حملها في توأمين ، استبشرت بحملها وأقنعت نفسها بأن كل ما يحدث حولها ليست إلا مواجع مؤقتة ولاشك أن الخبر سيفرح زوجها والأهم أنه لن يعيرها ثانية بأنها أصبحت عجوزا لا تقدر على الإنجاب، أعدت لهذه المناسبة السارة مساءا رومانسيا بعشاء فاخر، ولكن انهارت أحلامها التي زرعتها بطفليها اللذين لم يريا النور،إذ انهال عليها بالضرب المبرح فور سماعه بحملها ،أدخلها المستشفى وفيها أجهضت حملها ، لقد أصبحت مجرد امرأة مهزومة تغازل أطياف الشمس المرتحلة مخلفة وراءها السنين التي ضاعت وانقضت معها صفحة من  زمن العمر الحالم زرعتها لمستقبل ليس لها ، لقد أنهكتها المسافات وأرهقها الركض وراء تفاصيل الأمل الذي انتظرته منذ أينعت أنثى ،وبعدما خانتها أصوات النوارس المتلهفة  قررت في لحظة تجاوز واقعها المرير وحالها البليد ،عادت إلى منزل أهلها خائبة ، أضاعت مالها ولم يسعفها الوقت للإنجاب ، انه جنون اللحظة يخترق ذاكرتها الغارقة بهموم الحياة وتقلبات الزمن ، كل أشرعة أحلامها ممزقة حيث أصبحت مسألة استمرارها مع حكيم مستحيلة بعدما تعاظمت نسبة النكران والجحود والألم الذي يفترسها ومضى قطار العمر بها وحيدة وفي إحدى محطاته يتجدد أملها مرة أخرى إذ عبر أحد معارف عائلتها رغبته في الزواج منها قبلت به لأن لم يبقى لها أحد يؤنس وحدتها بعدما فقدت والديها، كان " وحيـد" في مثل حالها ، كان ثريا وفر لها كل أسباب السعادة والراحة والهناء ، وكانت هي سعيدة به تعامل أهله بكل الحب و الحنان ومن بينهم ابن شقيقة زوجها الذي حذرها من طمعه خاصة في سن المراهقة التي يمر بها ومن طلباته التي لا تنتهي ونصحها بأنه من الأفضل أن لا تعوده على التقرب منها أكثر ، ولكن بهية أرادت أن تحتويه وأن يحبها مثل أمه وهي المحرومة من نعمة الأطفال ، كانت تحاول جاهدة تغيير نظرات كل من حولها برسم صورة للغد أجمل تعيش فيه بأمان وسط عائلة جديدة دون عداوة.

وقفت تنظر من وراء شرفتها إلى حيث تشرق الشمس كعادتها في كل يوم جديد علها تجد في أشعتها الدافئة الطاقة المتجددة للصبر وفرجة الأمل حتى يختفي ذاك الإحساس الرهيب بالوحدة والفقدان،لا تزال تحاول تغيير زمنها القاتم والموحش ، وفي منعرجات الأقدار التي قادتها لم تدر أن معاملتها الطيبة لم تشفع لها عند ابن شقيقة زوجها الذي استغل غياب زوجها عن البيت ليتوجه إليها يطالبها بمبلغ مالي كبير، وجدت طلبه غريبا ، وما كادت تستفسره عن حاجته له حتى صرخ في وجهها ووجه لها ضربة قوية على رأسها بقضيب حديد أسقطها أرضا وقام بسرقة ما تيسر له  ثم أحرق البيت كله بما فيه، لم يتبق منها بعدما تم إخماد النار إلا آثار الحرق القديم على يديها، ماتت تاركة حياة سرق فيها كل من حولها ابتسامتها عنـوة .

                        رســـــــــالة حب

عاشت الشابة " هديل " هادئة البال في حضن والديها تنعم برعايتهما ، مرتاحة الخاطر في الأجواء الجيدة المتوفرة لها من مأكل وملبس وتعليم.. تمتعت بالحياة الباذخة ، لكنها عاشت فراغا عاطفيا ومراهقة حادة بالرغم من كثرة المتملقات حولها، لم تكن تعرف الكثير من معاني الحياة ، اعتادت على مشاهدة الأفلام الرومانسية لما وجدت متعتها الخاصة في تلك المشاهد التي تحمل من الإثارة الحسية والجنسية الكثير، كان ينسحب خيالها نحو صور مركزة تحدد قدرتها على التخيل فتراها تنحصر داخل صور ذهنية غنية بالحركات التي تغذي شحنات عواطفها العالية .

 تعرفت يوما على ذلك الفتى الوسيم الذي تمكن من التغلغل بذكائه الاجتماعي ومهاراته السلوكية وجاذبيته الشخصية وسط مجتمع الفتيات، رأته حينها هديل مميزا عن الآخرين بسمرة بشرته البرونزية وبحيويته وأدبه الجم لذلك انساقت معه بسهولة وسرعان ما رفعت الحرج بالموافقة على تواصلهما رغبة  منها في إدامة فترة استمتاعها بعالمه المليء بالمغامرات الشيقة والحكايات النادرة ، تجاوبت معه إلى عوالم بعيدة من التفاهم والمودة حتى لم يعد بمقدور أحدهما أن يمضي يوما كاملا دون أن يلتقي الآخر، وكثير ما كان يلامس يدها البيضاء الناعمة ، وبقدر قوة قبضته عليها بقدر ما كان ذلك يبعث الطمأنينة في نفسها ، لم يعد أمرهما خافيا عن المحيطين بها ، ولكنها كانت كالصماء لم تبال بعبارات التنبيه والتحذير و التخويف بل زادها ذلك إصرارا أقرب إلى العناد على التمسك به.

 فصل الصيف بدأ يطرق أبوابه بقوة ،حرارة أيامه أثارت المشاعر الرهيفة وهيجت الأحاسيس البريئة  ثم حركت الفكر نحو القيام بمغامرة..  إنها مجرد رحلة إلى ذلك الشاطئ حيث تملك أسرته منزلا صغيرا يقابل زرقة السماء والبحر، تحمست للفكرة واختلقت الأسباب وانسلت صباح يوم قائظ بعدما سافر أبوها لحضور جنازة عزيز لديه في مدينة ريفية نائية وانشغلت أمها بحضور اجتماع هام لجمعيتها الثقافية ، قضت هديل في غفوة من والديها أمتع لحظات حياتها كانت أوقاتها غنية بالدلالات والإيحاءات المتبادلة، عاشت علاقة حب بكل أطوارها محمومة بدفء الأجساد والبحر ونشوة الشباب وعرفت سر الوجود من خلال أحداث دارت باللونين منحت اللقاء بعدا إنسانيا وروحا من التعايش.

كان يوم فارق في حياة هديل ظنته بداية نهايتها إن افتضح السر، وخشيت أن يكون النهاية لبداية حبها إن لم تتدارك الأمر ، مرت شهور الصمت المريب متثاقلة ولا سبيل أمامها للاتصال ولا حيلة لها لتجديد التواصل ، انعزلت في منزلها وأدمنت الانكماش في فراشها، تجنبت لقاء صديقاتها وأنكرت وجودها . كانت تظن أنها أوصلت نفسها إلى نقطة النهاية لحياتها مبكرا واعتقدت أنها تدفع الثمن من عمرها ندما . لم يكد ينتصف نهار يوم خريفي مكفهر حتى طرق ساعي البريد باب منزل "هديل "  حاملا لها رسالة، وجدتها من سطر واحد " لا يمكنني ردع قلمي عن كتابة حروف اسمك مثلما لا يمكنني منع قلبي من حبه لك .." حملت لها الرسالة مزيجا من دراما الحكاية بتوابل العوالم السرية لمرحلة المراهقة إذ أخذتها إلى تلك المنطقة من الذاكرة لتسترجع أحداثا عبقت بدايتها بأريج الورود يحملها النسيم بلطف فيغشاهما ،أحداثا خاضتها بكل انفتاحها النفسي والعقلي وأصبحت مستفزة لذاكرتها ومحفزة لتخيلاتها التي صارت تتوارد سريعا على ذهنها ثم تتداعى أمام عينيها صورا متحركة كونها تنتمي للواقع الذي عاشت تفاصيله  تفقدت الرسالة مرة أخرى وقد منحتها شحنة إضافية كبيرة استفزت مجددا قوة الحياة فيها .أفاقت ذات يوم متأخرة وشوقها إليه يحرق فؤادها، أعادت قراءة الرسالة مرة ثانية وثالثة، قلبها يخبرها أن هذه الرسالة ليست مجرد كلمات جميلة وعابرة ، لقد استشفت منها طبيعة شخصيته وقابليتها للتواصل من خلال البوح الجميل ، نهضت وتأملت نفسها أمام المرآة وكأنها على موعد معه ، تحسست جسدها برؤية فنان ، يدها تمر عبر خطوط منحنية تمارس حضورها بليونة وأنوثة لافتة وبصفات دلالية معينة ، لم تنتبه إلى صوت أمها تناديها، كان ثمة طارق بالباب، إنها أم الفتى الأسمر جاءت لخطبتها إلى ابنها، كانت كلماته الرقيقة تقديم رومانسي شكل صدمة لينة  بعد غياب مهدت الأجواء للتهيئة العاطفية لتقبل وقع المفاجأة فاحتوت الرسالة حبهما.

.                                 

 

                                    قلـــــــوب لا تتعـب

في بعض الأماكن استرجاع للذكريات القريبة أو البعيدة ، وأحاسيس تهيمن على النفس وشعور بالانتماء وجدانيا، إنها مشاعر يكنها الفرد لأماكن سكنت طفولته فكانت لها قدرة تأثيرها عليه ، هكذا وجدها بجانبه أسيرة سحر المكان الذي يزوره لأول مرة معها منذ أن تزوجا ففيه تبتسم الطبيعة لكل من يدخله ، وفيه عندما يمتزج النظر بالعاطفة يأخذ الناظر إلى عالم البوح ولكنها كانت شاردة في تلك الأمسية القمرية حيث كانا يفترشان الأرض خارج الكوخ الذي فيه ولدت وقد امتدت عيناها بعيدا نحو الآفاق وكأن ليس له وجود في مجال رؤيتها فسكن معها في ذات المساء ليل الغياب في منطقة ريفية لم تطأها قدماه من قبل  كان يعلم أنها فيها نشأت وعلى ترابها ترعرعت وفي مختلف أرجائها مرحت وركضت وتركت آثار أقدامها اللطيفة على وجه الأرض الطرية في كل الجهات ، طال شرودها في سكون الفضاء الوحي فيه أكبر من مساحة الكلام حتى كاد يحس أن العادة فقط هي التي تمنحه شرعية وجوده معها ، أراد أن يضفي بعض المتعة الفكرية الراقية على جلستهما  فلفت انتباهها إلى بعض القيم الجمالية المحيطة بهما ولكنه لمس منها سلبية أرهقت أعصابه وقهرت تفكيره فنأى بجانبه عنها برهة إلى أن أحس بأناملها الرقيقة تلامس كتفه في نعومة فالتفت إليها وقبل أن يحاول معرفة سر شرودها بادرته هي وكأنها أحست بقلقه أنها ليست مشغولة عنه بل مشغولة به ومن أجله منذ تزوجا ، فقط طاب لها أن تسترجع ظروف تعارفهما بالمدينة وما كان مساء ذلك اليوم الذي جاء منزلها خاطبا ، قضت حينها الليل بطوله تحلم أن يأتي المساء الذي يجمعهما في ذات المكان الذي هما فيه الآن زوجين متحابين،مع أنها كانت تخشى أن يكون ذلك مجرد حلما صعب المنال لأن الواقع آنذاك كان مريرا، بدت له كأنها تصارع الذاكرة التي تلح عليها استحضار مآسي الماضي، لقد احتلت حياة النكد وحياة الكراهية حياة السعادة منذ وفاة والدها فأصبحت الحياة بصفة عامة متعبة ، ثم لم يعد طعم لها حين تمسك عمها بكلمته التي سبقت لأحد أصدقاء السوء سيء السمعة أراد خطبتها له رغما عنها وعن والدتها المريضة ، كانت الابنة الوحيدة والمدللة في هذه الأسرة الصغيرة التي أصبحت رهينة من يريد السيطرة عليها مقابل بعض المال الضئيل لا يكاد يسد الرمق ، روت له كيف كان إصرارها على الرفض وكيف كان تحديها لجبروته، كما تذكرت أيضا كم كان الثمن حين تم الحكم على النفس والأحلام والحياة بالمؤبد في سجن التفكير والشجن، تنفست عميقا وهي تمدد رجليها أمامها ، كان لتناسقهما الجميل وقع آسر في نفسه لما استرعي انتباهه بياضهما في ظلمة المكان، أدركت ما كان منه فلاطفته مبتسمة ومسحت على رأسه بحنو ، فداعب أطراف شعرها المنسدل على كتفيها وحدثها أن ما ذكرته يلهم المتأمل في المعاناة بأن كل خروج من دائرة الخطر هو فرصة أخرى لنجدد قوانا من أجل لحظة أجمل بدل الانحباس في سجن اللحظات الماضية والمؤلمة ، دمعت عيناها فرحا وهي تبوح له أنها بعد خطبتهما وفي نفس هذا المكان كانت تنادي عصافير الفرحة لتشاركها سعادتها وتدعو طيور المحبة لتبلغه كم أحبته ، ولكن عمها كان يأبى إلا أن يجعل الحب والحزن توأمين..لقد تعمد دوما التخلص من كل لحظات الأمل في حياتهما واستبدالها بالندم والتحسر.. كان حادا بلفظه ، قاس بوصفه ، مثيرا للجدل في كل كلمة ..كان طامعا في المنزل الذي يأويها ووالدتها .. قاطعها ليهون عليها أن الزمن يطهر الجراح ويلملم أشلاء القلب لترسى النفس على بر الراحة والهناء مع من تحب ،انه يريد مخلصا أن يكون زواجهما أنشودة للفرح والحب والحياة، وأن لا يعكر صفو  حياتهما ماضي لا قوة لهما في تغييره ، نهض واستقام وبدا خلفه البدر مكتملا ، مد يده يدعوها للنهوض ثم ضمها برفق إليه هامسا من يفتح قلبه تتغير نظرته إلى العالم  فكل إنسان يحمل عالمه في قلبه .

أرسلت شمس صباح اليوم التالي أشعتها الدافئة التي تسللت إلى الغرفة ، أفاقت على وقع حشرجة أوراق  ورأته يقلب فيها في اضطراب ، سألته عن ما يبحث، انتفض وأخفى الأوراق بسرعة، لم تهتم كثيرا للأمر بالرغم من أن شحنة نفسية مائعة انتابتها ، في منتصف النهار لمحته من وراء زجاج النافذة منزوي في مكان خفي بين الأشجار ثم ظهرت لها امرأة مسنة تحدثه ،كانت تبدو لها أنها في عجلة من أمرها، لقد عرفتها إنها الخالة حليمة العوراء ، لم تشأ أن تخرج إليهما لتستفسر منه عن الأمر فقط حدثت أمها التي أخبرتها أنها امرأة سيئة وكثيرا ما دفعها عمها لتحاول أن تخرب بيتها، بهتت وأحست بتمزق خيوط الأحلام الجميلة التي لطالما نسجتها بقلب مفعم بالأمل لتجدها فجأة تتبخر، أسرعت قبله إلى غرفتها واكتشفت أن ما أخفاه عنها في الصباح هي الوثائق التي تثبت ملكيتها للمنزل، وفور وصوله أظهرتها له ، وقف متلبدا بخيمة من الخيبة يتمتم وكأنه يكلم نفسه من خلالها، بحث عن طريقة التكفير عن خطئه عن طريق البوح ولكنه تأكد أنه يواجه فشل مشروع مؤامرة في منزل يحصن نفسه بأدعية ساكنيه ، نظرت إليه نظرة حادة لم يصمد أمامها ثم صاحت في وجهه صيحة قوة لنصرة الحق  فانهار أمام امتحان الزمن، لم يغير شعورها نحوه اعترافه بأنه متواطئ مع عمها لنزع ملكيتها للمنزل في مقابل حصوله على مبلغ مالي كبير، لم يتبدل إحساسها تجاهه بعدما أبدى ندما شديدا وأسفا عميقا، لم تتأثر لمحاولاته تجديد الذكريات ولا لبراعته في رسم اللوحات الخالدة بل رأتها مجرد أطياف باهتة لم يعد لها ملامح في نظرها ولا معنى في نفسها ولن يكون لها وجود في قلبها .

مرت عليها الأيام متشابهة بعد عودتها نهائيا إلى منزل والدتها، عادت إلى نمط الحياة الريفي حيث نشأت واعتادت ،وانشغلت أكثر برعاية أمها والاعتناء بشؤونها بعد أن اشتد عليها المرض وألزمها الفراش، أثقلت أعباء الحياة كاهلها بعدما انقطع عنهما أي مصدر للدخل،اضطرت للعمل صابرة في المزارع المجاورة، كان الطريق إليها طويلا ووعرا والعودة منها مساءا شاقة .. وأكثر خطورة، لقد أصبح فهمها للحياة محصورا في مقياس ما تعنيه من ضرورات العيش، وكم كانت سعادتها في تلك الأمسية التي حصلت فيها على بعض المال لأنها عادت حاملة الدواء لأمها ، دخلت عليها متهللة فوجدتها قد نامت نومتها الأبدية على نفس سريرها القديم الوحيد الباقي من أثاثها الذي تمسكت به لأنه الشاهد على أحلى لحظات حياتها وأسعدها، لقد رحلت عنها بهدوء، مالت عليها وقبلت جبهتها قبلة طويلة أشعرتها أن روحها الهائمة تحلق على المنزل بقوة غيابها وتلهمها الإصرار على صنع حياة هي سيدتها .

                                   قلـب فــــي مرســــــم

استيقظت على غير عادتها في تلك الأمسية الصيفية الحارة بعدما ضاقت بالفراش وضاق الفراش بتقلبها فيه، نهضت إلى الشرفة تتلمس ما يمكن أن ينعشها ، كانت النسمات الدافئة عليلة، تلاطف خديها بنعومة وتداعب قميص نومها الوردي الشفاف الذي يبتكر من ذاته لون عطره ويبوح في ذاته بعطر سحره والذي لا ترتديه سوى الأجساد الغضة التي تثقب بدلالها قميص الليل إلى كمال المعنى وسدرة المشتهى كصيحة تنبيهية تفكك ألغاز الجو الطلسمي وتكسر صمت الليالي، مررت يدها الرقيقة بنعومة على خصلات شعرها إلى الوراء وأبصرت ضوءا خافتا خلف النوافذ الصغيرة لمستودع كان قد اتخذه شاب فنان مرسما له منذ فترة ، دققت النظر أكثر لتعرف سر الحركة التي دبت فيه فرأته بين رواح ومجيء يرتب أغراضه وينفض الغبار عن أدواته ويعيد توزيع لوحاته التي تركها مغطاة قبل أن يغيب عنها طوال تلك الفترة التي قضاها في الخدمة الوطنية ، ابتسمت من أعماق لما تذكرته يلج عالم الفن صغيرا كان صغيرا في العمر وصغيرا في فهم الحياة بمقياس ما تعنيه من ضرورات العيش ،كم كان يروقها كثيرا أن تتأمله جالسا أمام لوحاته بين قلق وحيرة، وأن تتلصص لرؤية ما جادت به مخيلة هذا الشاب المكافح من أعمال فنية إذ لم يكن في مرحلة الطفولة الفنية بل فنان وضع الحياة في خدمة الرسم ، وكان أشد ما يسعدها أن ترى لوحاته الفنية في طريقها إلى يد من أراد اقتناءها من المعجبين بفنه ، وهذا كان مصدر عيشه ، ابتسمت من أعماقها وقالت في نفسها إنها العودة إذن، فجأة أفاقت وهي في غمرة استغراقها في تلك الذكريات على حمحمة خافتة صدرت بصوت فخيم ، كان خلال ذلك يتأملها مندهشا من وجودها في تلك الساعة المتأخرة من الليل بالشرفة ، تعلق كلا منهما بالآخر عبر نظرة طويلة رآها هو لوحة فنية تشرق ألوانها بأشكال أخاذة ، ورأته هي فيه فارسا من ندى فكانت ضربة البداية العاطفية لكليهما، استدارت خجلا وهرولت نحو فراشها وكانت ليلة ضاق فراشها بها أكثر فباتت وشيء في قلبها ينذر بدق أوتار القدر اختلجت في نفسها المشاعر التي طالما أفرغتها شعرا ، أما هذه المرة فقد عجزت لغتها الشعرية في ضبط الوزن والتناغم .

لم تتأخر في صباح اليوم التالي من النهوض مبكرة ، توجهت إلى غرفة الطعام حيث وجدت والدها وأخوتها حول القهوة يتبادلون حديثهم الصباحي المتشنج،كانت تراهم محترفي صناعة الأزمات ،ضاقت من تصعيد لغة حوارهم فأخذت فنجانها بعيدا وجلست قريبا من نافذة تطل على المرسم ، وجدت نوافذه كلها مفتوحة فوقفت ترسل بصرها تراقب ما يحدث فيه ، رأته يتحرك بكل نشاط  وحيوية  يدخل الكثير من الألواح الخشبية ولفائف الأوراق والخيش الخشن والكثير من العلب المغلفة ، إنها البداية إذن ، تراءى لها أن تزور مرسمه،ولكنها استخفت أن تكون الزيارة بمبرر حبها للرسم أو لعله يعلمها بعض أسرار هذا الفن،ولما كان الهدف بطبعه خالق للأداة فقد اهتدت إلى حيلة للتواصل معه ، وذات يوم سارت بخطوات مترددة نحوه ، أخذت دقات قلبها تتسارع وتكاد تسمعها أعلى صوتا من طرقها على الباب ، ظهر لها شابا وسيما ، تعلثمت في حديثها وسيطر الحرج عليها فاحتوى ترددها بالترحيب بها ، تقدمت وهي تتلفت حولها ثم جلست حائرة من كثرة اللوحات والألوان التي تملأ المكان، قطع حيرتها بالسؤال عما تريد ، سلمته صورتها الفوتوغرافية التي أرادت أن تحولها إلى صورة زيتية كبيرة ، تأملها طويلا بين يديه ونظر إليها نظرة مقارنة ،كاد يكلم نفسه من خلالها ، كان رأيه أنها أجمل بكثير من الصورة ، وأنه يفضل رسم الشخصيات مباشرة ليكسب اللوحة شخصية صاحبها وروحه فهو يخاطب الروح ليجسد أعمالا فنية تكشف عن رؤيته الروحية وباستطاعته لو رغبت أن يقوم بذلك ، سعدت بهذا الرأي ورحبت ، غادرت المرسم وهي غير مصدقة أنها ستلتقيه كثيرا بعد ذلك وتقول في نفسها أنها فرصة إذن. قضت ليلتها سعيدة واستحت أن تطل من شرفتها العريضة على المرسم بل اكتفت بمراقبته بين لحظة وأخرى من وراء الستار، وتمنت لو أنه الآن يخاطب روحها ، تراقصت أمامها عرائس خيالها فشردت عن واقعها وفي لحظة ذهولها عن ما حولها استسلمت لوحيها وإلهامها، وكان هو قد قضى قسط من الليل مستغرقا في تفحص صورتها التي نسيتها ، تسللت إلى نفسه مشاعر الإعجاب بملامحها الهادئة وقسماتها الرقيقة وجمالها الرباني الذي منح فؤاده وبصره السكينة والبهجة.، نظر للصورة مجددا وهو يتذكر أدبها وعذوبة صوتها وحلو حديثها ، ابتسم لما تذكر تعلثمها واضطرابها أول مرة وكيف كادت ملابسها الجميلة أن تتلطخ بالألوان الزيتية المنتشرة في كل مكان .

ترددت على المرسم عدة مرات بقناعة جمالية لعمل جلسات الرسم، وفي كل مرة تنتهز المناسبة كي تتمتع برؤية اللوحات الفنية المفعمة برائحة الحياة والحركة الدائمة حولها إذ شعرت بعبق اللوحات يخرج من الصور ليملأ البصر بالألوان الزاهية ،لاحظت رؤيته كفنان من خلال الخطوط المنحنية والمسحات اللونية التي تتجاور لتكتسب صبغة لونية صريحة وحارة وأن ثمة رهافة في تعيين ملامح الأشكال في لوحاته عبر خط خارجي يمارس حضوره بليونة وعفوية لافتة من أجل تضمين صفات دلالية ومعينة ، تبادلا أطراف الحديث في مواضيع كثيرة ، تحدث إليها وأراد أن يكون منطقيا  وتكلمت هي وأرادت أن تكون جذابة ، علم منها أنها شاعرة يرسم قلمها صورا بالكلمات في قصيدة، حدثته أن تجربتها الشعرية والإبداعية تقوم على أساس انعكاس اللون في مرايا النصوص لإثارة الصور الشعرية السحرية فأدركا أنهما يتقاسمان الوظيفة الجمالية لتبليغ قوة الرسائل ومهارة التبليغ ونبل المعاني ، وأحسا أن عشقهما للألوان كان الوقود الذي غذى كوامن الرغبة في رحلة الإبداع ، كانت زاوية جلوسها تتيح لها النظر بكل وضوح إلى شرفتها المقابلة ، بينما كانت نظراته  الطويلة لها والمتفحصة لمحاسنها تأسرها إليه وعيناه تحتويها في عالمه فشكلت بسهولة وعيه البصري ومارس نوعا من التنقيب في أعماق روحها التي تحولت مع الوقت إلى طابع خيالي كما لو أنهما اندمجا  ليحلقا معا في الفضاء الحلم ، ثم جاء اللوحة على حسب مقدار الصدق الذي مارسه مع ذاته وبمقدار ما وثق بأقوى ما يمكن أن تهبه هي من سحر وجمال 

في الموعد المحدد لاستلام الصورة كاملة ذهبت إليه في قمة أناقتها ،رحب بها ترحيبا مميزا وكان سعيدا بلقائها بينما كانت هي قلقة وخائفة أن يكون هذا اليوم ختام سلسلة لقاءاتهما ، ذهب ليغلف الصورة بالورق السميك فانتهزت الفرصة واستبدلت سريعا صورتها الفوتوغرافية بصورة أخرى لها ، وفور عودتها فتحت غلاف الصورة وعرفت مقدار نجاحه في وضع الرسم في سياقه الروحي ثم وجدت معها ورقة كتبها لها " إلى من أحببت " فأسرعت إلى الشرفة ورأته يقلب صورتها الجديدة بين يديه ويقرأ ما كتبته له خلفها " إلى من أشتاق إليه" ، أسرع إلى النافذة المقابلة لشرفتها فالتقت نظراتهما مرة أخرى طويلا ، نظرة حملت توافقهما واتفاقهما على أن يكمل كل منهما إبداع الآخر في الحياة إلى آخر العمر. 

                        أيـامــــي فـي العناية المركزة

لماذا كلما نحس بمعاناة تثير بداخلنا سريعا زوابع من رياح الشك التي تخرب اليقين وتشعل نيران الحيرة ثم نشعر بعدها بنهاية الحياة ، في حين أن أجمل وأروع هندسة في العالم أن نبني جسرا من الأمل على نهر من اليأس ، بهذا التساؤل الحائر الممزوج بقناعة مفعمة بالتفاؤل سارت صباح ذات يوم بمحاذاة إحدى البحيرات العذبة التي توسطت مساحة واسعة من غابات الصنوبر ، كان الوقت خريفا وأوراق الأشجار المتناثرة تفرش لها بساطا أصفر ممتد يدعوها دعوة ملغمة للسير لمسافة أطول لأن مع كل خطوة تخطوها تلح عليها الذاكرة مرة أخرى إلى استرجاع ما لم تشف منه حتى وان بدا أنها قد تخلصت من أثره وكأن قوة خفية تقهرها لتضعها في دائرة القلق ، تواصل السير وقلبها التائه في بحر الظلمات يعتريه تارة اليأس من أن يوما يعود ، وتارة أخرى يتسلل إليها أمل في لقاء جديد فتجيش نفسها وتتملكها رغبة بأن لا تكف حينها عن البوح الجميل فما كان بينهما آخر مرة لم يتعد حدود العتاب بمحبة، حط في طريقها غراب كبير، نعق ثم طار، تابعته وهو يحلق فوقها ويتنقل بين الأشجار، ثم ما لبثت أن تملكها القنوط من حقيقة ما كشفته لها الأيام أن حب رفيق الروح كان الشجرة التي تخفي أزمة مصلحته الشخصية ، بينما كانت تخفي حقيقة حب في أزمة.

توالت عليها الأيام متشابهة لا جديد فيها يحيها ولا رجاء في الحاضر ينعشها، أو أمل يلوح في الأفق يزيد تمسكها بالحياة، تسير دائما في نفس الطريق الذي حفظ ملامحها، أرادت أن تتنفس كلماتها ، أرادت أن تسمعها طيور الغابة أن الحب أخلاق قبل أن يكون فقط مشاعر ، لقد ترجمت نبضات قلبها بعمق أنبل الأحاسيس ، وقبل أن تسبق العبرات كلماتها انتفضت فزعة على دوي مفاجئ سقطت على إثره حمامة أمامها ، رأتها مضرجة بالدماء ورأته قادما بخطوات عسكرية قوية وثابتة رافعا بندقيته ثم تناولها بكل زهو ومضى ، لقد كانت لحظة قاتمة شعرت أنها ستفتقد كثيرا هديلها الذي ألفته كل صباح ووداعتها وهي تقترب منها لتناول ما تلقيه لها من فتات الخبز ، لقد اغتال من كانت تشارك في الغناء بألوان الحياة  باتت ليلتها ونفسها مائعة تتنازعها الكوابيس بين هديل الحمامة الذي يخفت ويتراجع أمام نعيق الغراب المزعج الذي يتصاعد أكثر مع ظهور من كانت تعتبره رفيق روحها في لباس صياد قادما نحوها فتحت له ذراعيها ولكنه مر بجوارها بكل غرور دون أن يعبأ بها .

أصبحت مبكرة لا تريد طعاما ولا شرابا ، توجهت إلى الحمام ووضعت نفسها تحت المرش طويلا  فانسدل شعرها الأبنوسي الطويل خلفها حتى أخفى نصاعة ظهرها وانساب الماء طهورا يلامس بحنو نعومة بشرتها على كامل جسدها محترما تضاريس أنوثتها وملتزما بانحناءات رشاقتها ، واصلت الدلك برفق حتى كادت أن تفتن بجمالها وبنفسها وتنساق إلى حيث الحديث عنه يجري بالأقنعة وفي زوايا ضيقة ومعتمة.

 أرادت صباح هذا اليوم أن تقضى ما أمكن لها من الوقت في نفس المكان الذي يختزل بسكونه المريح للنفوس القلقة تفاصيل الحياة بأفراحها وأحزانها ،جلست قرب البحيرة  تتأمل جمال الطبيعة حولها ، تذكرت ما كان وفكرت في ما سيكون ، أومأت برأسها كمن لا حيلة له كأنها أدركت أن التفكير بدون التدبير لا معنى له ولا جدوى، بل أنه  قد يفقد المرء قدرته على فهم عمق الأمور إذا سارت وفق القواعد التقليدية وأن زمن من تعلقت به قد انتهى منذ زمن، انتبهت إلى تكاثر طيور البحيرة حولها الذين ألفوها أطعمتهم، داعبتهم ، وضحكت كثيرا ،حلق فوقها طائر الكروان الذي طالما شق بدعائه الشهير سكون المكان كلما رآها فلم تشعر أنها وحيدة، نهضت واتجهت إلى نفس الطريق المفروش بالأوراق الصفراء ، وغصة شديدة أصابتها تكاد تخنقها ، لم تعد تميز بوضوح معالم المكان ، ترنحت واتكأت إلى جذع شجرة فنعق الغراب نعقة جعلتها تهوى على الأرض، وفجأة خلع قلبها دوي مفاجئ  تذكرت الصياد ولكنها تجهل الضحية، زاغت عينيها بين الأشجار المتشابكة فروعها ،ولكنها وجدتها أرضا غير بعيد عنها، عرفته من صوته العذب انه مالك الحزين ينزف، كان في الطريق إليها كعادته كلما رآها، اقتربت منه حبوا وما أن بلغته حتى كان قد غنى أجمل ألحانه ، بكت خلفه وقد تأكدت من موته وبأنها لا تملك إعادته إلى الحياة في قلبها بعد أن اختار الموت فيها، علمت مع مرور الأيام أنها تقيم على حدود الخطر، تعيش بقية أيامها في حالة حرجة، لقد أجهضت أحلامها منذ أن تخلى عنها وبقي طوال فترة غيابه كجنين ميت بداخلها ، أصبح يحلو لها أن تغوص أكثر في عمق التجربة المريرة التي لم تتهيأ براءتها لها ولا تستطيع تقبل استمرار العيش في معاناتها، زهدت حتى ذبلت وضعفت مقاومتها ورغبتها في الحياة، انتظرت ملاك الفجر، ثم كان آخر ما سمعت نعيق ذلك الغراب قرب نافذتها .

                                    تفهم صمتي كي تستحقني

رسمت بجسدها الممشوق أمام قرص شمس الأصيل لوحة تضج بالأنوثة والجمال، الأفق يبدو وراءها حيث تلامس خضرة المروج زرقة السماء، كان يحلو لها  أن تتمتع ببهاء المكان وهدوئه الشامل فتضيف من روحها الى روعته سحرا مميزا ،كان تقديرها للحياة من تقدير ما فيها من جمال ،أنها تجيد مداعبة الزهور البرية المتناثرة على تلك الهضبة الخضراء التي اعتادت أن تقصدها كلما ازداد حنينها الى الطبيعة البكر حيث السكينة والأمان تتأمل ما حولها وتسرح بخيالها بعيدا فتنسج من أحلامها صورا لا يراها سواها .

لم تلبث وهي في غمرة استغراقها أن سمعت هتافات تصلها من بعيد ،رأت جموعا من أهل البلدة فوق سيارات مكشوفة وآخرين يسيرون على الأقدام يرفعون صور مرشحهم لانتخابات المجلس المحلى ولمحت بعض النسوة في المؤخرة يزغردن ويصفقن ، اقتربت القافلة أكثر ومرت بجانبها ،ففترت حدة الهتاف وخفت الهرج وتوقف الصياح واشرأبت أعناق النسوة الى الفتاة التي لم تتحرك من مكانها وبقت منتصبة أعلى الهضبة وكأنها قطعة منها ، الجميع يعرفها ويشهد لها بحسن الأخلاق والسيرة الحسنة وكم حاولت بعض النسوة خطبتها لأولادهم دون جدوى ،كانت تراهم مجرد دمى تمشي على الأرض ،لا يتمتعون برجاحة الفكر وحسن التدبير ،تسكعهم استهلك قدرتهم على صنع الحياة ، المستقبل لا يعني عندهم سوى الغيب ويعتقدون أنهم لا يملكون ازاءه أي إرادة ،سأل مرشحهم السيد مراد أحد  رفاقه عنها وهو يمسح عرقه بمنديله الطويل وعرف أنها أمينة الابنة الوحيدة لأحد وجهاء البلدة ، تأملها جيدا ولم تغادرها عيناه ،تعلق بها والموكب يسير حتى غادرها ،التفت اليها خلفه ولكنه لم يرها ،اختفت وكأنها تلاشت ، فانشغل بها أكثر لأنه حرم من النظرة الأخيرة التي كان يمكن أن تحمل رسالته اليها .

لم تمر سوى بضعة أيام حتى طرق السيد مراد ذات مساء منزلها وخلال لقائه بوالدها طلب خطبتها له وانتظر أياما ليعرف الرد ، كان والد أمينة يعلم أن مستقبل ابنته معه مضمونا وستعيش معه حياة هانئة ، اقتنعت أمينة بفكرة والدها وتمت الخطبة في أجواء بهيجة اختلطت فيها السعادة الفرح بحماس الترشح للانتخابات ،تواصلت اللقاءات بين الخطيبين الشابين في حدود ما تسمح به العادات والتقاليد وحاولت خلالها  ابداء تعاطفها الكبير معه لما رأت فيه من طموح باهر وشجاعة لافتة محاولة بذلك تقليل مستوى التوتر الذي ينتابه كل حين من حملات خصومه ومنافستهم وكان أن تحولت لقاءاتهما الى مجرد اجتماعات عمل متشنجة، ورغم حرصها في كل مرة أن تبدو أمامه في أبهى صورة كأنثى تشتهيها العيون لم تلمس منه اهتماما خاصا بها ولم تسمع كلمة ترضي أنوثتها ، كانت تلوذ بالصمت الجليل في انتظار أن يعبر يوما عن سعادته بها ، الحملة الانتخابية لا تزال مشتعلة والباقي من أيامها لا يزال طويلا والأحاديث هي نفسها انها الشكوى المريرة من الحساسيات السياسية وصراع قوى النفوذ ،وسيطرة مراكز صنع القرار وتحكم أصحاب المال في المؤسسات الإستراتيجية ، الحالة الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة في البلاد ، لقد استمعت اليه مليا وتفهمته كثيرا ،وصبرت أكثر، وكلما تقربت منه وتجاوبت معه أمعن هو في الانصراف عنها ، لم تشأ أن تكون المبادرة بتحويل الحديث الى ما يهم طبيعة عواطفهما خجلا وحياء ،منعها كبرياؤها من البوح الجميل حتى أحست بجفاف عاطفي تجاهه ، ولكنها عندما تستدرك نفسها وتحاول أن تجدد أملها فيه عندما ينجح في الانتخابات يفاجئها بما لا يرضيها.

عاود أمينة الحنين الى الهضبة الخضراء ففيها تجد راحتها وتمارس طقوسها الخاصة في التأمل والتفكير لم  تداعب كعادتها الزهور بل انشغلت بحالها الذي لم تتوقعه ، لقد بدأت تسترجع صدمات ما تلقته من السيد مراد وما تجرعته في صبر وصمت من كلمات لها معنى ثقيل ، تذكرت ما قاله يوما لها أن أهمية الزواج بالنسبة للسياسيين أنه مجرد دليل اجتماعي على استقرارهم الأسري ولا يتجاوز حدود الحرص على اظهار عفة النفس لكسب الثقة والنجاح ، الهدوء الذي يسود المكان دفعها أن تستسلم لاستعادة المزيد من ما دار بينهما ، لقد فهمت من أحاديثهما أنه يصوغ أسلوبه في الحياة من تقديره للأشياء فقفز الى ذهنها سؤال أخافها هل أصبحت هي من أقل الأشياء في نظره حتى لا يعيرها الاهتمام اللائق بها ،مرت أمامها قافلة تعلوها الهتافات باسمه رافعة صور مكبرة له ،انتفضت في مكانها انتفاضة رفض داخلي أن تكون من مجرد أداة لفوزه في الانتخابات ،أبت نفسها أن تستمر على هذا الحال المهين ،لقد فتحت بتساؤلاتها أبوابا للأمل وللخروج من قوقعة اليأس، دفعتها كرامتها أن تقنع والدها بالتراجع عن هذه الخطبة ، وحين علم السيد مراد بقرارها كانت قد وصلته رسالة قصيرة منها لم تضيع قراءتها شيئا من وقته الثمين ، صاغتها في عبارة واحدة صغيرة أوجزت المعنى الكبير فتركته حائرا في أدق الأوقات بالنسبة له  " كنت أود أن تفهم صمتي كي تستحقني "  فرك الرسالة بغيظ واضح لفت انتباه المعاونين ثم تركها على مكتبه وانصرف فالتقطها أحدهم ، قرأها ومعاني المكر تلمع في عينيه ،التقطها خلسة  وانصرف في هدوء قاصدا أحد خصومه في الانتخابات..  فافتضح أمره الشخصي .

على هضبتها الخضراء رأت الحياة تتجدد باستمرار لا شيء يوقف حركتها تجولت بين الأزهار البرية تعجبت من كثرتها وأدهشتها ألوانها الجميلة المختلفة وكأنها تراها لأول مرة ، أحست أنها أزالت حملا كبيرا عنها وأزاحت عبئا أثقل قلبها وأسقطها بملء ارادتها في بؤرة دور الضحية فليس ثمة ما هو مرهق للفؤاد من أن يشغله من لا يحس به ويعذبه. لقد استعادت شخصيتها وعادت بعد تيه الى قناعتها الأولى تقدر حق التقدير قيمة يد رجل محب بقدر وقوفه الى جانب قلبها .. مرت أمامها مرة أخرى قوافل الناخبين يصيحون فرحا بفوز مرشحهم  في الانتخابات ،نظرت فرأت صورا مكبرة للمرشح الفائز ولكن لم يكن هو .

                        حكايات أميرة العاشقة

جلست كعادتها كل صباح تتناول افطارها الخفيف قرب شرفتها الواسعة التي تطل على حديقة البرتقال تتأمل أزهارها البيضاء التي أينعت معلنة قرب نهاية الخريف الذي لم يكن باردا هذا العام ، كانت تبدو كالأميرة في قصرها العالي، أنثى كما تشتهيها العيون تختزل بتفاصيلها جمال الحياة وقوة نبضها ، وجد الكثير في اختلاس لحظة النظر اليها  متعة وفي القراءة الجمالية لحسنها والتمعن فيه ما يوجب رفع قرار المنع ، لم تكن بعد استبدلت لباس نومها البمبي الذي يبتكر من ذاته لون عطره والذي لا ترتديه إلا الأجساد الغضة التي تثقب بدلالها قميص الليل إلى كمال المعنى وسدرة المشتهى ، ذلك اللون الذي أرادته صيحة تنبيهية تفكك ألغاز أجواء لياليها الطلسمية كلما سكن في روحها كل مساء ليل الغياب.

فارسها لا تريده  ذو شخصية منطفئة وكاريزما ذابلة بل من يملك فلسفة قوة الحياة البسيطة إن تقديرها لقيمة رجل محب هو بقدر وقوفه الى جانب قلبها ،هكذا حدثت نفسها وهي تتجول بين أشجار البرتقال وتلامس برفق أزهارها ، حينها بدا لها من خلال الأغصان المتشابكة ذلك الشاب الأسمر الوسيم الذي التقت به ذات مساء خلال زيارته الأولى لأخيها ، انه سمير مدرس الموسيقى البسيط المتواضع الذي استقدمه أخوها ،لم تنس أنه عزف لها ببراعة في نهاية الدرس لحنا عذبا على البيانو أهداه لها بمجاملة دافئة كان يتجول بخطوات بطيئة ولم ينتبه لوجودها فقد شغله عنها قلق الانتظار ، داعبت حكايات ذلك اللقاء الذاكرة فهاجت في نفسها أفكار عميقة زادت من حيويتها معايشتها للأحداث ، أخذت طريقا آخرا يجعلها تتقاطع معه ليتحقق لها لقاء آخر معه أرادته عفويا ، ترددت قليلا وهي لا تدري ما الذي يدفعها لذلك ولماذا تفعل هذا ، ولكنها أسرعت خطاها وكأنها تسابق الوقت قبل أن يحضر شقيقها عساها تحظى بلحظات في الحديث معه ،وكان لها ما خططت له وتمتعت بدفء كلماته واستغرقت في وجاهة أفكاره ولمست تميزه بالإقناع المصحوب بالجاذبية وبجماله الخاص وأسعدها أنه وعدها بإهدائها لحنا آخر سيعده خصيصا لها.  قضت الليالي ساهرة تتساءل عن سر ما طرأ عليها من انشغال به ، أهو الحب الذي لامس شغاف قلبها من أول لحن يهدى لها ؟ أم هي أسيرة شخصيته المتميزة ؟ تدق المنضدة بقبضة اليد وهي تتأسف على أنه لم يصارحها بعد بحبه لها .

لاحظت ذات يوم من شرفتها حركة تدب في الفيلا المقابلة لها ، لقد عاد أصحابها اليها بعد غياب دام سنوات،الكل يهم بإنزال الحقائب والأمتعة من السيارة الفارهة، لمحها مراد صديق الطفولة ومن شدة فرحه هلل لرؤيتها بأعلى صوته واقترب من سور حديقة منزلها غير مكترث لنداءات مد يد المساعدة بقدر ما كان متلهفا أن يتأملها جيدا من أقرب مكان ، لم يخف منذ البداية اعجابه بجمالها وحدثها كثيرا بدون تحفظ حتى احتواها ، لقد ترك في نفسها أثرا لازمها وشغلها ، كان في مثل عمرها ، وجدته شابا رشيقا أنيقا مفعما بحيوية الشباب ، اكسبته سنوات اقامته مع عائلته بالخارج شخصية متحررة ،لمست من خلال الزيارات المتبادلة بين عائلتيهما  أنه طموح ،مندفع ،محب للحياة ولا يعبأ كثيرا بنظرات الناس ولا بآرائهم ،كان يتعامل مع الأمور بشكل مباشر فيما كان ينظر آخرون في نفس الاتجاه بزاوية حادة ، منعها خجلها أمام جسارته العاطفية من مجاراته عدة مرات ومع ذلك نجح في أن يحقق من تواصله العاطفي معها بلغة مشفرة من المستحيل أن يفهمها آخرون أن يثير اهتمامها نحو مكنونات المرأة و طبيعة أسرارها عندما تحب ، كان يسيطر على مخيلتها وترتسم صورته أمام عينيها كلما استمعت إلى عزف سمير على البيانو ، حتى استشعرت في نفسها حياء الأنثى فأبت أن تسقط بملء ارادتها في بؤرة دور الضحية .

كانت صدفة أن التقته ذات صباح رفقة صديقه أحمد بلباسه السلفي المعروف ، قاومت رغبتها في الانجذاب نحوه ردت تحيته عن بعد بهدوء ورزانة وأكملت سيرها دون أن تلتفت خلفها،أعجب أحمد بجمالها وأخلاقها وأخذ يتأملها برهة وهو يقوم بتخليل لحيته الكثة الطويلة وسأل مراد عنها حتى عرف منه على ما يريد ،أرسل أخته المحجبة إلى أمها تريد خطبتها لأخيها أحمد ،وفي الموعد المحدد للتعارف بين الأسرتين تذكرته أميرة ، أعجبت بهدوئه وبشخصيته الرزينة وثقافته الدينية الواسعة وأدبه واحترامه الشديد لها إلا انها باتت ليلتها حائرة قلقة من ما سمعته منه ، انه تقي ويخاف الله فيها لكن شرطه لبس الحجاب ونقاب الوجه وجدته غريبا عليها، سرى في نفسها دبيب الشك في ما سيحمله لها المستقبل معه تذكرت حكايات صديقاتها اللائي خضن نفس التجربة وانتهت بالطلاق فتملكها الخوف من طريق ربما لو سلكته يؤدي بها الى الغلو والتشدد  ثم ينتهي أمرها الى التطرف أو الطلاق. عادت أميرة للجلوس قرب شرفتها التي انقطعت عنها أياما تتأمل أزهار البرتقال وقد انعقد بعضها ثمارا صغيرة تنشد النمو ولم تك شيئا ومنت النفس كثيرا أن تثمر زهرة شبابها يوما حياة هانئة وسعيدة .

                              ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                            الإفلات من عبء اللحظــــات القاتمــــــة

  كبرت "ميساء " في أجواء عائلية هادئة ومستقرة بين أخوتها الذكور، ظلت منذ ولادتها زهرة العائلة وعطر حياتها ، نفسها الطافحة بالحياة والخافقة بنبضها جعلتها تتمتع بقدرة كبيرة على إنتاج السعادة لأسرتها بدل البحث عنها وما من أحد التقاها حتى لامست بصدقها وشفافية روحها وبسلاسة حديثها وعذوبة كلماتها أعماق وجدانه وأثارت في نفسه البهجة والتفاؤل .

طرقت ميساء باب غرفة والدها تستأذنه كعادتها كل صباح في رؤيته قبل ذهابها للجامعة، طلب منها بكلمات متعثرة أن تمهله لحظة ثم أذن لها فوجدته يخفي بجانبه صندوقا معدنيا أصاب الصدأ أطرافه ، لم تعر الأمر اهتماما كبيرا وسرعان ما قبلت جبينه وانصرفت،تأملها هذه المرة بعين أخرى، رآها تسير أمامه بخطوات لم يكن يلاحظها من قبل ، كلها رشاقة.. وأنوثة ، تحسس موضع قبلتها وتهيأ له أنها غير بريئة كانت قبلة حارة تسلل معها إلى نفسه شعور مزعج ، أعاد فتح الصندوق وأخرج منه أوراقا مطوية قد اصفرت أطرافها ، كانت رسائل من أعز المقربين له لذلك احتفظ بها ، أراد إعادة ما كان يقرأ في رسالة تهنئة من أحد أصدقائه بمناسبة يوم ميلاد "ميساء" إذ استوقفه في نهايتها عبارة أحدثت في نفسه تحولا غريبا ، قرأها بصوت خافت وهو يحاول أن يستنبط المعنى الخفي من ورائها " ... وأن يلبسها لباس الستر والعفاف ويحفظها بما حفظ به الصالحات الطاهرات، وأن تكون ذخرا لمجتمعها ووطنها "  أثارت معانيها قلقا في نفسه تحول إلى هاجس مخيف ، تنهد عميقا ونظر إلى الأفق من خلال نافذة غرفته العريضة حيث السماء تكاد تنطبق على الأرض في احتواء جميل وتذكر كم كان زواجه من ابنة منطقته الريفية  انتقالا جذريا من جحيم المعاصي إلى نعيم التوبة ، كما تذكر كم كانت الحياة أسهل في اليوم الذي قرر أن ينتقل إلى المدينة بحثا عن العمل ، ولكن المدينة اليوم ليست كما كانت بالأمس  الجميع يعاني من صعوبة العيش في مدينة تتخبط بين مقتضيات مسايرة التحولات الكبرى ومعاناة الاستسلام لفرائض التحولات المتطرفة ، لقد قضى سنوات عمره في كد وشقاء متقلبا بين مختلف الحرف والأعمال الشاقة واجه فيها ألوان من البشر وتركت التجارب في نفسه تراكمات عميقة جعلته يعيش كابوس البقاء في دوامة من حوار الشكوى الهامسة إذ ظل أسير ترسبات حياتية خلقت لديه اعتقادات خاطئة راسخة أن جسد الأنثى وروحها هو ثنائية للشرف والخيانة وهاهي تعاوده في إصرار مرضي بعدما ظن أن الزمن قد يطهر الجراح ويلملم أشلاء القلب لترسي النفس على بر الراحة والهناء وأن زواجه هو الدواء الشافي للتخلص من لحظات الندم والتحسر واستبدالها بالأمل والثقة.

في المساء ، أرادت ميساء بعفويتها أن تحدثه كعادتها كيف قضت يومها وتقص تفاصيل ما واجهته من أحداث جادة ومواقف مضحكة ، ولكنه كان يبدو جامدا معها لا يبدي رأيا موافقا أو قولا معارضا، بدا كمن غاب عنه حسن الظن وغاب لديه طهر التواصل، استشعرت حرج الموقف بعدما رفض أن تلامس يدها يديه ،صارحها بعد تردد أنه لا يريد أن يراها تخرج دوما من المنزل وتعود متأخرة في المساء ، يكفي ما بلغته من التعليم وأن... فجأة صمت، أخذ يتمعن في الوجوه حوله ويقرأ معاني الأسف والاندهاش الأقرب إلى الاستنكار والرفض ، انكمش على نفسه وأدار رأسه بعيدا عنهم ، وكعادتها في الحالات الحرجة لاذت بالصمت الجليل الذي منحها علوا وانتصارا، برغم ذلك أثارت كعادتها أيضا أجواء من الضحك والبهجة قبل أن يأوي كل فرد إلى فراشه. لم تغمض والدة ميساء عينيها طوال الليل فما واجهته ابنتها من إحراج أمام أبيها لم تكن غافلة عنه وخشيت أن يكون وراء ذلك سيطرة أفكار غير واقعية عليه سببها استدعاء أحداث من الماضي، تعلم أنها كانت لحظات قاتمة عرفها في حياته جعلته يعاني قسوة الدونية المضمرة ، كانت تظن أنها نجحت في البداية لدفعه نحو سبيل التوبة والتكفير عن أخطائه عن طريق البوح الصريح والإقرار بالذنب ،استجمعت همتها وشحذت إرادتها للنهوض بالمسؤولية القديمة المتجددة ، إنها الآن أكثر تصميما أن تواصل المضي في نفس طريق العلاج وكلها ثقة في النفس فهي لا تعاني من فقر الأفكار وبؤس الخيال وقلة الحيلة.

حول مائدة إفطار الصباح أبلغته أن أختها وزوجها وأولادهم سيتناولون معهم العشاء هذه الليلة ، ثم استدرجته في الحديث عن ما يمكن إعداده بهذه المناسبة ، علم أن لأختها بنتان وولد يزاولون الدراسة الجامعية بنجاح وأن زوجها المحامي المرموق كان ينتظر لقاءه به منذ وقت طويل، في الموعد كان اللقاء ، بدا الضيوف في أبهى حلة وأجمل زينة ، راقه تودد البنتين له واستعذب الحديث معهما ، وجد مظهرهما أكثر أنوثة من ابنته وألين قولا وألطف معاملة  ووجد أبيهما على قدر كبير من الأدب ومن الاحترام الجم ، تبادلا أطراف الحديث في عدة مواضيع ، تطرقا إلى مختلف شؤون الحياة وشاركهما فيه الأبناء كانت الأجواء مفعمة بالبهجة والسرور، وراقب خلال ذلك معاملة الرجل المهذبة مع بنتيه ولاحظ اهتمامه البالغ لسماع ما يقولانه من أراء وأفكار ، لم يلحظ عليه أي امتعاض على طريقة لباسهن العصري ولا أي حرج من ما يكشفه هذا اللباس من بعض الشيء منهن ، بدت ابنته " ميساء" وسطهن كأميرة ، أنثى تطوف بخفتها وتجول، بعد تناول العشاء مالت والدتها على أبيها هامسة أن الأفكار التي شيدت الماضي لو كانت صالحة في زماننا لاستمر الماضي واقعا ولم يتحول إلى تاريخ.. حينها وضع زوج أختها كاس الشاي جانبا وعلا صوت مبشرا بحصول جمعيته على الاعتماد الرسمي، ثم التفت إلى والد ميساء واقترح عليه المشاركة في عضوية جمعية التي ستنشط في أعمال الخير والبر للأطفال اليتامى والمحتاجين للرعاية الخاصة  ثم رشحه أن يتولى مهمة الشؤون الإدارية بالجمعية ، هلل الجميع للخبر وزاد استبشارهم عندما وافق والد ميساء على المقترح بل وأظهر تحمسا واضحا للفكرة.

لم يمض وقت طويل حتى وجد والد ميساء نفسه غارقا في العمل الخيري كل يوم ،تارة بمكتبه يستقبل عشرات المواطنين والمواطنات وتارة أخرى يقوم بمهام واتصالات خارجية  كانت زوجته تحرص على أن تسمع منه كل مساء جديد نشاطه وأخبار الجمعية وتحثه على تقديم المزيد من أعمال البر للمحتاجين وعدم البخل عليهم بالرأي وبالنصح والمشورة ، ولكن الحقيقة أن ما كان يشجعه أكثر هو سماع عبارات الشكر والامتنان من المحتاجين ودعواتهم له، ومنها قويت علاقاته بهم وتكررت لقاءاته معهم في المناسبات الطيبة وكان يحلو له أن يقص تفاصيلها على زوجته بكل اعتزاز وفرح ، حينها علمت زوجته الحكيمة أنه بدأ على طريق التواصل الاجتماعي وأعمال البر يحسن الظن بالناس ، لقد استعادت زوجها من أسر مهلك أراد أن يدخله طوعا، نجحت أن تخرجه من دائرة الشك والظنون إلى فضاء اليقين والحقيقة الواسع، أما ابنتها فهي تعلم أنها تستلهم قدرتها على العيش من قوة أحلامها ، وأنها ستلتقي يوما في مكان يجمع بين وهج الطبيعة وعبق التاريخ بمن تطوف بحسنها مملكة غرامه وتجول في ميادين حبه .

                                   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                          مـاريـــــــــا                          

                   عندما يطغى الشر نشعر بالحاجة للخير أكثر

كانت تمشي بين أحلامها وتبدو كأنها قادمة من المستقبل ، نضج نظرات عينيها الزرقاوتين يسبق عمرها بكثير "ماريا " هي ثمرة زواج مختلط  ولدت ونشأت في موطن أبيها ، كانت تسبق الحياة إلى جمالها فبدا جمالها نوع من الإحسان لناظريها ، كان جمالها ربانيا ، كبرت وأصبحت أنثى كما تشتهيها العيون ، شعرها الذهبي المنسدل دوما خلفها تهفو إليه القلوب كلما عبث الهواء بخصلاته ،عاشت تضفي بروحها على كل مكان سعة الفردوس وتمثل بهدوء عمق مفهوم المقاومة الفكرية لإعادة الاستقرار والتوازن إلى واقع أسري مفكك يفتقد منذ البداية مقومات البقاء والدوام وقد أصبح على وشك الانفجار بعدما تنسلت أواصر العلاقات وتناسلت الأخطاء ، أمها لا ترى في واقع حياتها الزوجية ونمط معيشتها  ما تطمئن لها نفسها من أمن وسكينة ، تجمدت مقاومة الفتاة وهي تحضر تفاصيل النهاية الحتمية بين والديها  ثم تعيش وضعا مضطربا لم تكن لها فيه إرادة أو اختيار، مزقتها الهواجس حول مستقبلها ، وانهارت حياتها بعدما لجأ كلا منهما إلى رسم خارطة طريق لحياة أخرى لم يكن لها فيها أي مكان ، تخلصت منها أمها رضوخا لرغبة من اختارته رفيقا لها وكان من أبناء بلدتها جاء مهاجرا ولم يشأ وجود ماريا معهما ، ولكنها دفعت حياتها ثمنا لنزوة لم تقدر عواقبها فقد  غدرها بها وغادرها بعدما سلبها كل ما تملك.. واختفى، ولكن سرعان ما عثرت بفضل جاذبيتها وأنوثتها الطاغية على رفيق آخر لحياتها، فاحتضنتها جدتها بعدما ساءت حالتها مع الوافد الغريب ، وكفلتها في موطن أمها وكانت من الأسر الغنية بالمدينة ، حاولت ماريا التكيف مع الواقع الجديد بعيدة عن والديها ،والذي لم يكن أحسن حالا، إذ قرأت ماريا في العيون عدم ارتياح وبدا لها من أخوالها كثير من النفور والجفاء لم تدر سببه، وعاشت أجواء يصعب فيها التمني وبرغم ذلك تلمست السبل لكي تشعر بما هو أفضل في الحياة ليكون عيشها أسعد، ولكن ما خبأه لها القدر كان أفدح ، توفيت جدتها بعد شهور قليلة ففقدت الحضن الدافئ والصدر الحنون والقلب المفتوح الذي احتضن آلامها واحتوى أحزانها، وجدت نفسها أمام مستقبل غامض ومجهول بعدما طغت أحزانه على أفراحه ، لقد كان لها من الميراث نصيبا كبيرا استكثره عليها أخوالها فكادوا لها الكيد الأسود، فهي من صلب ذلك الأجنبي الذي أذل أختهم في بلده ، لم تجد أي وثيقة تثبت بها حقها ولا حتى نسبها وهويتها كل شيء تمزق واختفى والأفواه صمتت عن الحق ثم كان الطرد من المنزل الحلقة الأخيرة من مؤامرة الخلاص منها ، أصبحت الأزقة الضيقة مأواها تفترش الأرض ليلا وتهيم في الشوارع نهارا تبحث عن من يعينها للحصول على أوراق هويتها، وتبحث عن ما تأكله ، اتسخت ملابسها وتورمت قدماها وعلت وجهها الجميل