«اعترافات امرأة» للجزائرية عائشة بنور: رمزية الوجع الطفولي كوعي متحرر

«اعترافات امرأة» للجزائرية عائشة بنور: رمزية الوجع الطفولي كوعي متحرر

يتخذ الأدب النسوي في بعض مظاهرة الثقافية البارزة وأنماطه التعبيرية وتشكيلاته الخطابية، أبعادا يستقي علة وجودها عبر موجة فكرية مناهضة للأنظمة البطريكية، أو الأبوية أو الذكورية، ويمكن تسجيل هذا الحضور بصورة مشروعة، من خلال تلك المنعطفات والمنعرجات التي تقيم تعارضا بينا مع الآخر المختلف، انطلاقا من تحديد الشروط الضرورية الكفيلة بتحقيق الانوجاد الاجتماعي الضامن للمشاركة الفعالة، ويتعلق الأمر، هنا، بإيتيقا الاعتراف في بنيتها الملموسة وصورتها المحسوسة، كشكل من أشكال التواصل الإنساني، الذي ينصب نفسه ضمن إطار الشق الإيجابي، ويكفينا أن نشير في هذا السياق إلى نموذج من هذه النماذج رواية «اعترافات امرأة» للكاتبة الجزائرية عائشة بنور الصادرة عن منشورات دار الحضارة في طبعتها الثانية بئر التوتة – الجزائر 2015.
والشيء اللافت للنظر الذي يستوقفنا في إطار المراسيم الكتابية، الاستهلال الذي افتتحت به عائشة بنور روايتها من خلال طقس سردي، زاوج بين صدق العاطفة وبراعة الصورة، تقول في هذا الشأن «شهر رمضان وحده يحقق نقطة تمركزي ويجبرني على الانصياع.. يجعلني في ترقب الساعة لحظة المغيب.. وحده يحررني من قيود شهواتي ونزواتي وملذاتي.. وحده يحدد نوعية ألواني الضبابية التي اكتشفت صفاءها في الصحراء والرمال الذهبية.. رمضان وحده يخرج ذاك الطفل المشاكس..المستهتر الذي يسكنني « ملفتة النظر منذ الوهلة الأولى إلى قضية في غاية الأهمية في الفصل المعنون «بوجع طفولي»، حيث تمكن المتلقي من دخول عوالمها بإدراك العمل الأدبي في حدسية مباشرة، وبكل روح شفافة بعيدة كل البعد عن التكلف والتصنع في تصوير الأحداث بمشاهدها الدرامية، ضمن إسهام فعلي نابع من أرضية الواقع المعيش، ويتبدى، إذن، هذا، في رصد أغوار الذات الإنسانية مستندة في ذلك إلى ضمير المتكلم، حيث يسعفنا ويساعدنا هذا الأخير في تعرية مناطق الظل، مستجلية المعيشي واليومي عبر صيغ جمالية وقيم تعبيرية، وتراكيب متناسقة توحي إلى تجربة تقدمية وكفاءة عالية، تتوخى استجابة تجعلنا نعيش الراهن بكل تشابكاته وتعقيداته ومستجداته.
وتماشيا مع هذا الإطار، فإن المفارقة المثيرة التي ميزت العمل على مستوى المادة الفنية شكلا ومضمونا، تمثلت في استحضار صورة الطفل وإقحامها في جسد النص من خلال قصدية مسبقة مشحونة وجدانيا وروحيا، انفردت في شجاعة أدبية كمحاولة لمواجهة هذا العدو الخفي الذي يمارس ضغطا رهيبا على الوعي الجمعي، مشكلة هذه التقنية البؤرة التي تصب في صميم الممارسة المحسوسة، التي تختزل ترسانة من الأفكار في شططها، وتقربنا في انسيابية نحو استدراك المغزى والهدف المنشود في نزعتها السوسيولوجية والسيكولوجية، في رسم بعض تفاصيل الحياة، وبشكل حاسم، تقول «طفل يلعب.. يتمرد على الخصوصية والقوانين ويعبث بالكؤوس الملونة بالشفاه.. طفل أناني يتمتع بالأشياء، إن ملكها ويبكي إن ضيعها.. طفل يتمرد على الانصياع والصمت والقهر».
ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا، إلى أن أسلوب الحكي يقتضي في جوه العام محاكمة العادات والتقاليد والأعراف الدوغمائية، والأيديولوجيات المتحجرة والمغلقة، من منطلق استرجاع الوعي المفقود المكلل في ملامحه الجوهرية عبر أرضية تنويرية، تأخذ على عاتقها انتصارات تنهض وفق أطر متمثلة في مقولات وجودية أكثر شمولية، تسعى إلى تغيير الأوضاع والمواقف والرؤى، ونعاين طبيعة هذه الخاصية، ضمن عوالم المقومات الحضارية بكل ما تعنيه الكلمة من معان، بوصفها تشكل منعطفات كبرى للخروج من دائرة التمركز، من أجل إخضاع المنظومة الاجتماعية والثقافية والفكرية، إلى أصداء تتمظهر تحت طائلة المساءلة والمراجعة النقدية، إزاء الممارسات التي تدين السلطة البطريكية أو الأبوية الحاملة لعقلانية العنف والإرهاب، القابعة في بنيتها الذهنية «أجل رأيتهم بالأمس عظماء.. يلبسون التيجان ويعلقون النجوم.. ويلبسون الفاخر ويأكلون الشهد.. ورأيتهم يسرقون الدمع من العيون والفرح من القلوب واللقمة من الأفواه الجائعة».
وفي أسوأ الحالات، يعلن هذا الوضع المأساوي عن مجد ضائع من منظور الروائية، ومدار هذه الإشكالية، تتوزع عبر ثنايا الخطاب السردي الذي يعكس ذلك الحلم المسلوب والمسروق والمغصوب، مما يجعله متلبسا برؤى ضيقة تستند إلى منطق الإرادات في ماهياتها المتجذرة وتصوراتها المتكلسة، هذا التعسف والتعصب والعنف الفكري المصادر لحقوق الآخر، نجد له أثرا في التسريد التالي على لسان الساردة المجترح لمعاني الوجود «بداياتي كانت شرعية مقنعة.. مجموعة من الأشكال لا تجوز مناقشتها.. ولا يجوز الاعتراض على أي لون من ألوانها المختارة».
وتبعا لذلك، فإن المظلة الكبرى التي تحكم رؤية الكاتبة، وعلى وجه التحديد، هي التخلص من آفة التخلف، وأدران الجهل، وأنماط التفكير الموبوءة في المجال التداولي، عكسته على مستوى التقنية الموظفة داخل المتن الحكائي تصرفات وسلوكيات الطفل المتمردة في إشاريتها، المنتصرة لإنسانية الإنسان والمتمثلة في الانعتاق والخلاص من النمطية والابتذال الأحادي الرؤية، ونرصد رهانات هذه التعددية كونها تبرهن على أفق دلالي مفتوح، يتغذى على فضاءات خطابية تتلاءم مع صور التفكير الشمولي، من خلال الظفر بالحرية التي تتأكد من جرائها الشروط الموضوعية في طرائق التعامل، إذ تطالعنا في تداولية ترنسندنتالية تعتمل في سياق تقويض منطق الاستحواذ المستولي على مقدرات الذات/ المرأة.
والروائية عائشة بنور عن طريق هذه المعادلة تحاول القبض على تجربة حياتية تستطيع بها القفز على كل قيد يرسم لها حدودا، من هنا، فالطفولة في صورتها الترميزية والإيحائية، تتمحور في بوتقة الاتزان والانسجام بما يثيره من أحاسيس ومشاعر إيجابية تسترجع من خلالها الذات اللحظة الهاربة التي ترمي بها في حضن الانتماء الأنطولوجي للبيئة، تقول الساردة في هذا السياق «طفل يحاول الانسجام مع العالم الخارجي، الذي وجد فيه نفسه وحيدا غارقا في أحلامه ومشاعره.. منطويا على حالات وجدانية عنيفة».
وبالتالي، فإن تكرار هذا المشهد عبر مسار الحكي، نتلمس آثاره من خلال النافذة التي نطل بها على الوجع الطفولي المرتبط بمعيار التحدي، والذي يحاول جاهدا أن يقيم تماثلا على مستوى المظاهر الخارجية والداخلية، التي تتأطر ضمن مجاري تشدد على الكرامة الإنسانية، وهو فعل في واقع الأمر يشي بنبرة تحررية منتفضة في بنيتها المعلنة، ويبرز هذا بجلاء، في تلك المراجعة المستمرة، التي تتموقع في الداخل عبر عملية حفرية حاملة لمعاول التنقيب والتفتيش، الرامية في طموحاتها إلى مواطن الاعتراف المتبادل المنتهج لسياسة الفعل التواصلي المتجاوز للمخيال الجمعي في ذهنيته البدائية الراسخة والمتجذرة، حيث أن هذه الذهنية المغلقة في نظر الكاتبة لها انعكاسات سلبية على الكينونة، من خلال ما تحبل به من متناقضات وتداعيات تسيء للحقيقة، إلى درجة تجعل من الذات تعيش اغترابا يقوض أركان الانخراط الفاعل الفاقد لقدرة التواصل، انطلاقا من تلك النفسية المهزوزة العاجزة عن حسن التدبير والتمييز بين الأشياء «كنت أنتعل التناقض بالطول والعرض.. نسخة مزورة لحقيقتي التي كانت تعاني انفصاما حادا.. انفصاما يطاردني مرة ويصافحني مرة أخرى».
وقصارى القول: إن هذا الوجع الطفولي المشاكس في حركاته وسلوكياته وأفكاره ومشاعره، سيشكل نقطة تحول صارخة، فيأخذ بذلك منحى مهما في رمزيته النضالية المتطلعة، المجسد في حقيقة الأمر لصورة المرأة داخل بناء الحبكة الدرامية، ويتعلق الأمر، هنا، في امتلاكها لأدوات ووسائل التصدي لبؤر التوتر والصراع، عبر فعالية تحد من سلطة المراكز لصالح الهامش، ونعاين تداعيات هذا الطرح ضمنيا من عنوان الرواية «اعترافات امرأة» وهو اعتراف مشفوع بإرادة تحررية تضطلع بمهام التجارب الحية، التي تحاول جاهدة رسم معالم تثري الحياة الإنسانية، انطلاقا من تقليص هوة التباعد بين الأنا والآخر/ الرجل، ويمكن تحقيق هذا المسعى في سياق المبادرة التي توفر لها قسطا وافرا من الأمن والاطمئنان والراحة، يرفع من شأن أنوثتها كخط صاعد يكفل لها خصوصياتها ومستلزماتها داخل الواقع المعيش، ومنحى استثنائي يجنبها في الوقت ذاته الغربة القاسية في توحشها متخطية في ذلك الكينونة توجسات الحاضر.
وبالتالي، تكون لهذه التجربة انعكاسها المؤكد على السمات الهوياتية والإمكانات الذاتية، وهي بذلك خطوة متفردة متميزة، تذيب الفوارق في أساليبها الانتقائية التجزيئية المتفلتة من الضبط الاجتماعي المحكم، موقعة بصماتها تحت نظرة استشرافية مستقبلية، تتراءى لنا في ظل واقعية اجتماعية مترجمة إلى سلوك براغماتي مدرك في امتلاءاته الروحية والمادية، بحيث ينأى عن كل محددات التصنيف المشوبة بعوامل الانحطاط والاستخفاف والازدراء داخل الجسم الثقافي العام.

The post «اعترافات امرأة» للجزائرية عائشة بنور: رمزية الوجع الطفولي كوعي متحرر appeared first on مجلة سيدات الأعمال.


للمزيد من التفاصيل اضغط هنا : https://bit.ly/2C4BVF2

Post a Comment

0 Comments