فضاءات عامة شيّدها الرجال تعزل النساء عن العالم

فضاءات عامة شيّدها الرجال تعزل النساء عن العالم

تحظى الأماكن العامة التي تحمل تسميات “للنساء فقط” بحفاوة وترحيب كبيرين لدى الكثير من النساء، لكونها تخلق لهن حيزا من الحرية للتصرف على طبيعتهن، وتسهل عليهن قضاء شؤون حياتهن اليومية بعيدا عن رقابة الرجال.
غير أن انتشار هذه الأطر المكانية المتعلقة بـ”النوع” يبدو كما لو كان صندوقا يطوق النساء، ويميز بينهن وبين أقرانهن الرجال في كل مكان، ويكشف في الوقت نفسه عن وجود هيمنة ذكورية على العالم، ومن المفترض أن يمثل ذلك تحديا لقيمتين أساسيتين، وهما تحرير المرأة، والرغبة في الحياة في مجتمعات موحدة.
ولم يكن مبدأ تقسيم أماكن المجتمع حسب الجنس سائدا حتى نهاية الثمانينات من القرن التاسع عشر، ويعزى ذلك إلى هيمنة الذكور على مختلف النواحي الاجتماعية، وكان على النساء الانتظار عقودا طويلة، إلى أن ظهرت الحركات النسوية، التي ساهمت في انتشار المراكز التجارية والمقاهي، وحينئذ بدأت فكرة تمكين النساء من الوصول إلى المجال العام تترسخ تدريجيا، فيما حاول الرجال تقسيم الفضاءات العامة على أساس الجنس، وبما أن المباني كانت في الغالب يصممها مهندسون من الرجال، فإن معظم الأماكن العامة في بلدان العالم مثل المقاهي ودورات المياه مازالت مخصصة للرجال أكثر من النساء.
وكان الدين والنفوذ السياسي العاملين المتحكمين في تبني تقاليد الفصل بين الجنسين، ومثل هذا الأمر طال جميع الثقافات، غير أن البلدان العربية والإسلامية المحافظة كانت على الأرجح الأكثر تمسكا بفكرة تطبيق الشريعة في الأماكن العامة، ويشمل ذلك منع الاختلاط بين الجنسين ومنح الرجال سلطة اتخاذ القرارات بدلا من النساء.
مدن الرجال
بيد أن العقود الأخيرة شهدت زيادة واضحة في وتيرة دعوات تمكين المرأة، وإفساح المجال أمامها للمشاركة في الحياة الاجتماعية، وأصبح حق تنقل النساء وارتيادهن لمختلف الفضاءات مكفولا بحكم القانون في عدة أجزاء من العالم.
واتسمت سياسة معظم المجتمعات العربية بالانفتاح والقبول النسبي للمساواة بين المرأة والرجل، لكن ذلك لم يساهم في اختفاء الفضاءات العمومية التي تلبي احتياجات المرأة فقط، بل أصبحت مطلبا لدى فئة كبيرة من النساء في أعمار مختلفة.
وتنوعت في السنوات الأخيرة الشواطئ والمقاهي والمستشفيات والمطاعم والحافلات وسيارات الأجرة الوردية، التي تقدم خدماتها للنساء، ويحظر على الرجال الانتفاع بها حتى في حالات الطوارئ.
كما دفعت ظاهرة التحرش في الشوارع ووسائل النقل العامة هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى إطلاق مشروع “المدن الآمنة” في عدة دول عربية، ويهدف هذا المشروع إلى توفير الأمن للمرأة وتسهيل حركتها واستخدامها للفضاءات العامة، فضلا عن تقديم يد المساعدة للنساء المعنفات، مثل توفير أماكن الإيواء والدعم المعنوي والقانوني.
وتعد مدينة إمبابة الواقعة في شمال محافظة الجيزة على الجانب الغربي من نهر النيل، أول منطقة عربية طبّق فيها مشروع المدن الآمنة للنساء.
لكن الفوائد الناجمة عن هذا المشروع لم تخل من الجدل حول إمكانية أن تُمنى جهود تمكين المرأة بانتكاسة كبيرة، عندما تعجز الحكومات عن توفير بيئة تشعر فيها النساء بقدر كاف من الأمان، ويستطعن الظهور في المجتمع على نحو مماثل للرجال. وتمثل مسألة التمكين في حد ذاتها أمرا إشكاليا، إذ توحي إثارتها بأن فئة النساء تحديدا يعانين بشكل مزمن من عدم تمثيلهن بشكل متكافئ مع الرجال في مختلف الأنشطة والميادين.
ولم ترق فكرة “المدن الآمنة للنساء” للورا سوموغي المسؤولة عن جائزة “ومنتي” (Womanity) السنوية لمكافحة العنف ضد النساء، التي شددت في حديث لصحيفة الغارديان البريطانية على أن خوف النساء من الاعتداءات مازال يمثل عقبة تعرقل محاولاتهن للتخلص من الفقر في بعض الدول.
وترى سوموغي أن جزءا من المشكلة يكمن في المدن التي “خططها الرجال من أجل الرجال”، معتبرة أنه ليس من السهل هدم وإعادة بناء مدن شاسعة ومتمددة بكل بساطة، ولكن من الممكن اتخاذ عدد من الخطوات من أجل منح النساء شعورا أكبر بالأمان عند التنقل في المدن والتجول في أرجائها؛ وعلاوة على ذلك فإن النساء يجب أن يُستشرن في تخطيط وتصميم مشاريع التنمية في المدنية الحديثة.
يبدو أن الخدمات والفضاءات العامة التي تحمل تعبير “للنساء فقط” تثير كذلك حالة من الانقسام الشديد في العالم العربي، فيما يجمع الكثيرون على أنها ليست أمرا جيدا، لأنها تؤدي من وجهة نظرهم إلى الفصل بين الرجال والنساء وتخلق نوعا من الردة الحضارية.
وترى الشاعرة العراقية رينيه السامرائي أن فكرة تقسيم المجتمع إلى أماكن خاصة للنساء وأخرى للرجال تهدف إلى إحياء ما أسمته بـ”ثقافة التفرقة العنصرية بين الجنسين والتي تعود إلى قرون الظلام”.
وقالت السامرائي “تمكين المرأة غير متوازن في جميع أنحاء العالم، لكن واقع المرأة في العالم العربي والدول النامية تحديدا يبدو الأكثر تعقيدا، ولعل السبب في ذلك ذكورية المجتمع والدين والعادات والتقاليد التي حاولت عزل الأنثى في الظل ومنعها من مسايرة ما يشهده العالم من تطورات في الخارج”، مشددة على أن رجال الدين قد اتخذوا من الدين ذريعة لتضييق الخناق على النساء في الفضاءات العامة، وتقييد حريتهن وجعلهن تابعات للرجال في جميع أمور حياتهن.
وأضافت “لا يمكن أن ننكر أيضا أن الكثير من النساء وخصوصا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مازلن عاجزات عن تحدي السياقات التقليدية التي تنظر للمرأة نظرة دونية، ويصعب أيضا على التشريعات الحديثة المنادية بالمساواة بين الجنسين أن تتجاوزها بين ليلة وضحاها”.
وتابعت السامرائي حديثها “من المؤسف أن تستخدم بعض المجتمعات جسد المرأة كسلعة وتعلة لفرض قواعد صارمة على النساء، والتضييق على حقوقهن ومكانتهن في المجتمع، وهذا في حد ذاته يعد شكلا من أشكال التمييز الذي يعيق الاستقلالية الذاتية والمادية للمرأة، ويمنعها من تحسين ظروفها الاجتماعية”.
الانفصام الحضاري
وتعتقد السامرائي أن الأماكن والفضاءات العمومية الخاصة بالنساء لن تحل كل المشكلات التي تعاني منها المرأة، كما أنها لن تختفي أيضا من تلقاء نفسها، وخصوصا إذا أخفقت المجتمعات في منح المرأة مكانتها الحقيقية، وظلت الثقافة الكارهة لـ”جنس الأنثى” تغذي المعتقد القديم المتجدد، الذي يتهم المرأة بأنها أغوت آدم فأكل التفاحة وكانت سببا في سقوطه من الجنة إلى الأرض.
وختمت السامرائي بقولها “يبدو أننا نعاصر ثقافة كراهية الأنثى مجددا، وهي السبب في جعل الرجال يحاولون فرض الرقابة على تحركات النساء، وإقصاء إرادتهن وعقولهن”.
وصف البعض من الخبراء الأماكن الفئوية الجنس بـ”الانفصام الحضاري”، لاعتقادهم أنها تخلق تباعدا فكريا بين الجنسين والأسوأ أنها قد تساهم في جعل تقاليد الفصل بين الجنسين تعيش فترة ازدهارها من جديد.
ويرى الكاتب السعودي وحيد الغامدي أن فكرة إنشاء أماكن عمومية خاصة بالنساء وأخرى بالرجال من شأنها أن تساهم في تكريس مشكلة التحرش الجنسي، بدلا من حلها.
وقال الغامدي “الأفضل هو خلق بيئة آمنة للجميع من خلال سن القوانين والتثقيف بطبيعة العلاقة الصحية بين الجنسين وليس بفرض العزل الاحترازي الذي سوف يفاقم مشكلة الفصل الوجداني والثقافي بين الجنسين ويزيد من إشكاليات التحرش، هذا بالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية الكثيرة والهدر في الطاقة بسبب إنشاء مبان موازية للنساء عن كل مبنى
للرجال”. وأضاف “يجب أن نعول على رجال الدين في إمكانية إصلاح ذلك الخلل الثقافي روحيا ودينيا، خصوصا أن في التراث الديني ما يدعم العلاقة المثالية غير المشوّهة بين الجنسين في العصور الأولى للإسلام”.
حاجز الزجاج
من جانبه شدد الدكتور عبدالرحمن الشقير، المختص السعودي في علم الاجتماع، على أن التسامح الديني والثقافي من شيم المجتمعات العربية وهو أساسي في التعاطي مع حقوق المرأة.
ويرى الشقير أن بناء فضاءات عمومية بهدف سجن النساء فيها ليس أمرا مقبولا من الناحية الدينية والأخلاقية والحضارية.
وقال الشقير مستشهدا بتجربة المرأة في بلاده “لقد برزت عمليات تمكين النساء بوضوح في حالة المرأة السعودية، وتوجت باختيار الرياض عاصمة للمرأة العربية عام 2020”.
وأضاف “منحت للمرأة العربية الكثير من الفرص، وبالتساوي مع الرجال في الحياة العامة وفي جميع الوظائف القيادية، وأيضا في التنمية والاقتصاد بصفة عامة، ولكن بالمقابل توجد نساء لا يرغبن في كل مجالات التمكين”.
وأكد الشقير أن التنوع الفكري والقيمي يعتبر ظاهرة صحية، والعملية الديمقراطية والقيم الحداثية تسهم في تعزيز فرص التمكين ولا تفرضها على أحد، وبالتالي فهي تدعم حق المرأة الفردي في اختيار ما يناسبها ورفض ما لا يناسبها.
وتابع الشقير حديثه موضحا “تحجيم دور المرأة وعزلها عن الحياة العامة كان في السابق تطرفا، وبالتالي يصعب أن نعالج التطرف بتطرف مضاد، وذلك عبر منع المحلات والأندية والمقاهي المخصصة للنساء”.
وختم الشقير بقوله “قيم الحداثة تؤكد على التسامح والتعايش وقبول الآخر، أي قبوله كما يرى نفسه وليس كما يجب أن نراه، وبالتالي فإن ظاهرة الأماكن المخصصة للنساء أو للعوائل تعد حقا مكتسبا لمن يفضلها”.
لكن في المقابل كشفت دراسة سابقة نشرتها مجلة الإيكونومست البريطانية أن حوالي 90 في المئة من الرجال المستطلعة آراؤهم في مصر ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية، يؤيدون فكرة التحكم بلباس المرأة وحركاتها وسكناتها، وقد علقت إحدى النساء على هذا الأمر بقولها لـ”العرب” “حاجز الزجاج مازال يحيط بالنساء في كل مكان من العالم ويحد من خياراتهن وفرصهن في الحياة”.

The post فضاءات عامة شيّدها الرجال تعزل النساء عن العالم appeared first on مجلة سيدات الأعمال.


للمزيد من التفاصيل اضغط هنا : http://bit.ly/38iBqS7

Post a Comment

0 Comments