المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة - الجزء الأول


المشاريع المرشحة لجائزة الآغا خان للعمارة - الجزء الأول



ساحة المريجة في الشارقة...فضاءات وليدة للفنون

غلوبال نيوز برس – جنيف

أعلنت جائزة الآغا خان للعمارة في جنيف منذ فترة عن قائمة المشاريع المرشحة لجائزتها المرموقة في دورتها لعام 2019، والتي تبلغ قيمتها المالية مليون دولار أمريكي. وتضمنت القائمة عشرون مشروعاً فريدا ومتميزاً من أنحاء مختلفة من العالم، من بينها تسعة مشاريع من سبع دول عربية هي الإمارات العربية المتحدة، لبنان، فلسطين، جيبوتي، عمان، البحرين وقطر. سوف نسلط الضوء في كل جزء من هذه السلسلة من المقالات على واحد من المشاريع العربية الرائدة التي تم ترشيحها للجائزة، آملين أن تجد هذه المشاريع جميعها طريقها للفوز بالجائزة الأكثر أهمية وحضوراً في العالم.
من بين المشاريع العشرين المرشحة للجائزة يبرز مشروع ساحة المريجة في الشارقة، كأحد المشاريع الواعدة للفوز بالجائزة. تبرز أهمية هذا المشروع من خلال التصميم الذي يميزه والهدف الذي يخدمه، فهو لم يكتفي بترميم وتحديث خمسة مباني قديمة في وسط مدينة الشارقة مجدداً الوجه الجمالي لوسط المدينة من خلال الاستخدام المتكيف لمجموعة من الهياكل المتهدمة فحسب، بل عمل أيضاً على الحفاظ على النسيج الحضري التقليدي للمدينة، مع تنشيط الحي القديم وتوفير مساحات مرنة للفنون والأعمال الفنية لبينالي الشارقة. وهذا ماتؤكد عليه إحدى الزائرات للموقع بالقول: "أعتقد أن الموقع يعيد إحياء هذه المنطقة ويحولها إلى بيئة جميلة وملفتة تجتذب الناس من كافة أنحاء العالم. إنه مشروع رائع يدفع للشعور بالرضى والسعادة". 
بدايات المشروع تعود إلى عام 2010، عندما أرادت مؤسسة الشارقة للفنون، وهي مؤسسة ثقافية انبثقت من بينالي الشارقة، الاستثمار في الأماكن غير المخصصة للمتاحف واستعادة الصلات التاريخية مع وسط المدينة في نفس الوقت. وبعد نحو ثلاثة أعوام من الجهد والعمل المستمر تم افتتاح المشروع بالتزامن مع بينالي الشارقة الحادي عشر في عام 2013. إلى جانب ساحة المريجة والأسوار الحجرية المرجانية، تقدم خمسة مباني متهدمة في حي المريجة بيئة حضرية ومعمارية مثالية لمنشأة فنية معاصرة. توفر المباني الخمسة التي تم تجديدها ودمجها مع مناطق عرض خارجية إضافية، مجموعة من المساحات الداخلية والخارجية لعرض الأعمال الفنية، مقدمة بذلك تجربة فنّية فريدة في وسط المدينة ضمن أجواء متنوعة. بينما تم تنظيم وربط أسطح المنازل لتكون بمثابة صالات عرض في الهواء الطلق، مع إيلاء اهتمام خاص للإضاءة الطبيعية.
صممت ساحات الشارقة للفنون بطريقة تسمح بالحفاظ المستمر على مايقارب من 40% من النسيج الحضري مع خلق مكان جديد لتجمع هواة الفن المحليين والدوليين. ويبدو تصميم المكان أنيقاً ومتفانياً ويأخذ بعين الاعتبار الوجه التاريخي للمدينة، ولكنه يقدم هذه الفضاءات والمساحات ايضاً بصورة عصرية جذابة وملفتة. تقول المعمارية منى الموصفي، المسؤولة عن تصميم هذا المشروع: "كان أحد أهدافنا التأكد من أن هذا المشروع سوف يؤدي بالنتيجة إلى مجموعة من الأبنية المقاومة والمساحات المفتوحة العمومية التي يمكن الوصول إليها من قبل الجميع". وتضيف قائلة: "أعتقد من خلال النهج الذي تم اتباعه في عملية التصميم، كان العنصر الأساسي يستند إلى اعتبار المكان كموقع مرن ذي بنية مقاومة ومتعددة الطبقات للتمكن من تحويله بسهولة، والنظر اليه كصورة ثابتة للجزء التاريخي من المدينة".
وتواصل المعمارية منى الموصفي حديثها حول التصميم المعماري للمشروع قائلة: "واحدة من العناصر التي تم إعادة إحيائها في هذا المشروع هي الأسطح، فالأسطح ضمن هذا النسيج السكاني والعمراني يتم استخدامها على نطاق واسع من قبل السكان القاطنين والأطفال، لذا كانت الفكرة ايضا استعادة هذا العنصر المعماري الهام وبناء مجموعة من الأسطح المفتوحة والمترابطة نوعاً ما وتحويلها إلى مساحات إضافية للساحات العامة واستخدامها كأماكن للتأمل، والنشاطات الاجتماعية، وحتى العروض الفنية."
وتضيف قائلة: "أما الإضاءة فكانت مكون هام ضمن هذا المشروع، ومن خلال التجول ضمن الموقع يمكن اختبار الأنماط المختلفة للإنارة التي تم تركيبها في المكان والتي تهدف لخلق طيف من الأجواء المختلفة للإضاءة بهدف دعم العروض الفنية". وتختم قائلة: "يأتي السكان المحليين إلى هذا الموقع، حيث يمكنهم رؤية العناصر التي تعود إلى التاريخ وتلك التي تعكس الحاضر، ولكن اعتقد أن السعادة التي يولدها هذا المكان بشكل عام تكمن في فكرة أن الموقع كان مهجوراً ولايتم استخدامه على نحو جيد، ليصبح اليوم أكثر نشاطاً ومرونة. اعتقد أن هذا الأمر هو الأكثر ايجابية في المشروع، خاصة بالنسبة لجيل الشباب".
إلى جانب ساحة المريجة في الشارقة تم ترشيح مشروعان آخران من دولة الإمارات العربية المتحدة للمنافسة على الجائزة، وهما مركز واسط للأراضي الرطبة في الشارقة وكونكريت السركال أفنيو في دبي، وسوف تكون لنا وقفة مطولة مع هذان المشروعان في حلقات قادمة. ولاشك أن ترشيح ثلاثة مشاريع من دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن القائمة المختصرة للمنافسة على جائزة الآغا خان للعمارة يعكس أهمية وعلو شأن العمارة الإماراتية على الصعيد العالمي. يقول السيد فرخ درخشاني، مدير جائزة الآغا خان للعمارة، حول المشاريع الإماراتية الثلاثة: "العنصر المشترك في جميع المشاريع الثلاثة المدرجة ضمن القائمة المختصرة من دولة الإمارات العربية المتحدة هو التعليم. إذ أن كل من ساحة المريجة للفنون في الشارقة وكونكريت السركال في دبي مكرسان لتعليم الناس حول الثقافة، بينما يكرس مركز واسط للأراضي الرطبة جهوده للتربية البيئية. بالمحصلة، جميع هذه المشاريع مكرسة لمساعدة الناس على فهم العالم الذي نعيش فيه اليوم ".
الجدير بالذكر أن جائزة الآغا خان للعمارة هي واحدة من أقدم وأهم جوائز العمارة في العالم. تأسست هذه الجائزة في عام 1977 من قبل صاحب السمو الآغا خان، بهدف تحديد وتشجيع الأفكار الرائدة في مجالات العمارة والبناء التي تنجح في التصدي لاحتياجات وطموحات المجتمعات التي يكون للمسلمين وجود معتبر فيها. وتركز الجائزة على نماذج المشاريع التي تعتمد معايير جديدة في التميز المعماري في مجالات التصميم المعاصر، الإسكان الاجتماعي، تحسين وتطوير المجتمع، الحفاظ على المواقع التاريخية، الحفاظ على المساحات وإعادة استخدامها، بالإضافة إلى هندسة المناظر الطبيعية وتحسين البيئة. منذ انطلاقتها منذ 42 سنة مضت تلقى 116 مشروعاً الجائزة كما تم توثيق أكثر من 9000 مشروع بناء.
تختلف جائزة الآغا خان للعمارة برسالتها عن غيرها من جوائز العمارة كونها تختار مشاريعاً تتراوح من الارتقاء بالأحياء الفقيرة لتصل إلى المباني الخضراء الشاهقة الارتفاع- والتي لا تقدم نموذجا في التميّز المعماري فحسب بل وتساهم نحو جودة حياة أفضل. لاتكرم الجائزة المهندسين المعماريين فحسب، بل يمتد هذا التكريم ليشمل أطراف أخرى مشاركة بالمشاريع مثل البلديات، وعمال البناء، وأصحاب العمل، والعمال المهرة، والمهندسين الذين كان لهم دور مهم في إنجاز المشاريع.

Post a Comment

0 Comments