المد والجزر في مقامات الإحتراق


المد والجزر في مقامات الإحتراق

للدكتورة سناء الشعلان بقلم
د ميسون حنا
عندما يعمل الكاتب فكره ليستخلص ما فاضت عليه تجاربه الحياتية وثقافته من درر ومعان ، ويضع هذه الخلاصة في عمل فني جميل
لجمال ما تفتق عنه ذهن الكاتبة من افكار مستدقة ، وأحاسيس ملهمة لتضع هذا كله في أقصوصات قصيرة تحت عنوان مقامات الإحتراق
هو احتراق حقا ، فإذا تمعنا بقراءة الأقصوصة لنجدها مع قصرها عميقة المغزى ، وحادة التأثير حد الإحتراق . على سبيل المثال في مقام التمني ترفض الأنثى حبيبا وهي التي عرفت من الرجال الأوغاد ما طاب لها ، وعندما تلتقي بالحبيب الشهم الشريف تقرر قطع علاقتها به لأنه أجمل من أن يكون حقيقة وهي تكره الأكاذيب . وهناك في أقصوصة أخرى بينما يتمنى الناسك الثمانيني أن يموت عطشان جوعان بردان ، ولكن عندما يأخذ رشفة من رحيق شفتيها يموت شبعان تلفح عظامه حرارة العشق . وهلم جرى من نبضات تنبض بها قصص المقامات ، ولا مجال لوصفها ، فأنا أرى أن قراءتها بلغة الكاتبة وتعبيرها هو الأهم ، فعندما توجز الحكاية وتغلف بألف غلاف من حلو المعاني في سطور قليلة لهي أجدر أن تقرأ كما هي لينفذ معناها الى العقل مباشرة ، ولتنبض الأحاسيس المحملة بها إلى القلب ، وهكذا تصل إلينا بسلاسة دون تعقيد ، فهي سهلة لأنها تدغدغ أحاسيسنا وتتناغم مع ملابسات حياتنا ومتناقضاتها وانسجامها ، وتنافرها ، وعجزها وقدرتها ، هي مد وجزر . إنها الحياة مرسومة في لوحات تسمى قصص قصيرة .
الكتاب يضم في جوفه اثنتين وثلاثين قصة هي على التوالي مقامات الاحتراق وتتألف من تسعة عشر مقاما ، وهي التي نوهت عنها في مستهل حديثي ، والقصص الأخرى هي الحكاية البداية ، سفر الجنون ، مأتم الرصاص ، في القدس لا تشرق الشمس ، القبعة الزرقاء ، أمينة ، هدية الإله ، كائن ليلي ، صوت الصمت ، هلال المجرم ، المصعد القديم ، أصابع وقحة ، الكف ، السيدة أنوار ، خليفة الله ، عابد المستعجل ، عملية ناجحة ، الشيطان يعشق ، حادثة انتحار عصفوري حب ، السيدة نجمة ، سرير صغير ، الطفل الأعجوبة ، تمثال الحرية ، المطاردة ، لوحة جميلة ، مرايا ، رأس خنزير ، عدالة ، قوائم ثلاثة ، تواصل الكتروني ، انت .
الحياة رجل وامرأة ، موجب وسالب ، قمة ومنحد ر ، وهذان القطبان يعيشان معا ، وديمومتهما واستمرارهما يتجددان من مشاحناتهما فيتنافران حينا ، ويتجاذبان أحايين ، وهكذا يدور دولاب الزمن الذي لا يعرف له مستقر ، وعليه ألاّ يستقر ، فباستقراره تغدو الحياة تافهة ، لا محفز لها للاستمرار ، هذه الفكرة تهيمن على عدة أقاصيص في المجموعة منها هدية الإله ، ففي هذه القصة الرجل لا يستطيع أن يعيش مع المرأة التي أهداها له الإله الأسطوري في القصة ، فيردها له وبعد حين يكتشف أنه لا يستطيع العيش بدونها فيستردها ، ويتكرر الموقف فيردها ثم يستردها ، أخيرا يقول له الإله انت لا تستطيع العيش معها ولا تستطيع العيش بدونها فتعلم كيف تعيش معها . أما في قصة صوت الصمت فتقول الكاتبة ، كان من المحتمل أن تبقى فتحية صامتة إلى الأبد ، وهي تخدم أمها المقعدة ، وأخاها المعاق عقليا إلا أنها في ليلة ماطرة من ليالي الشتاء البارد ، استيقظ الحي على صوت سيارة إسعاف تنقلها إلى المستشفى ، ذهبت بصمت ثم عادت امرأة أخرى لا تعرف الصمت ، هذرت بكلام لا يتوقف ، حممت أخاها المعاق ، صفعته كثيرا ، ولعنت الدنيا وجدفت دون حياء ، ثم هربت من البيت دون رجعة وتركت أخا ميتا من الصفع والركل ، وأما ميتة إثر نوبة قلبية حادة . ومن جديد ساد الصمت في المكان ، إذن هو صمت أعقبه صوت حيث ثارت فتحية على واقعها البائس ، القصة قمة ومنحدر . أما في قصة السيدة أنوار وأي فحش كانت أنوار وهي ممثلة إباحية ، وعندما يطلب منها أن تؤدي دور العابدة لتتقمص شخصيتها وهنا يحصل التحول في شخصيتها حيث تعشق دورها الجديد وتلبسه لتتحول من الفجور والفسق إلى الطهر والعبادة ، إذن هي مد وجزر مرة أخرى . وفي قصة الشيطان يعشق فهناك تجاذب في شخصيته  حيث أنه المنبوذ من السماء ، وهو قطب الشر ولكنه يقرر أن يخلع الغل من قلبه ، ليتنكر لأصله النيراني الملعون ، وينطوي تحت رداء الصالحين والملائكة والأبرار ، فيكون له هذا ليقضي صريع عشقه لآدمية تصليها ناره عندما يقترب منها وهو الكائن النيراني فيبتعد عنها متبتلا ليقيد اسمه في سفر الأبرار في مقام العاشقين ، وهنا صراع بين النار والنور ، بين الفسق والصلاح ، هي مد وجزر أيضا . وفي قصة السرير الصغير ، يحلم الشاب بسرير كبير لينام فيه وحيدا وعندما يستجاب طلبه يكتشف أن سريره بارد فيطلب من الإله ان يكسر وحدته التي كان يعشقها ، فيطلب أن يهديه الشخص الذي يشاركه السرير ، إذن هي مد وجزر ، القصة هذه تتشابه مع قصة هدية الإله. في قصة تمثال الحرية حيث يمجدونها في بلادهم وهم في حقيقتهم أعداء لها ، هي قمة ومنحدر ، أما في قصة المطاردة ، فالشبل يطارد الظبية ، وعندما يقرران أن يتهادنا ويكفا عن العراك ، والمطاردة لا يستسيغان ذلك فتقترح الظبية أن يجددا المطاردة وهي ذاتها من اقترحت الهدنة . هي دورة الحياة ما بين مد وجزر .

المجموعة غنية بملابسات المد والجزر الذي يتكرر في معظم قصص المجموعة في قوالب متجددة في شكلها وبنيتها وتنوع أفكارها ، وليكن تعليقي هذا محفزا لقراءتها .

Post a Comment

0 Comments