هجوم دبلوماسي أميركي في لبنان





الثابت ان الوقت الذي أمضاه ناظر الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مع الحشد الدبلوماسي المرافق، والشخصيات الرسمية والسياسية والوزارية التي التقاها، فضلاً عن المحطة السياحية في جبيل، كلها عناصر تدل على أمر واحد، يتمثل بقرار أميركي كبير، باستعادة الساحة اللبنانية، ليس من خلال التعايش مع المحور المناوئ برئاسة إيران، بل بـ«تصفية الحساب» معها، في البلد، الذي طالما نظرت إلى عاصمته بيروت، كواحدة من أربع عواصم إقليمية، تدور في الفلك الإيراني، وحساباته في الشرق الأوسط.


في الاجتماعات كلها الحاضر الأوّل «حزب الله». تردّد هذا الاسم لعشرات المرات «فمن قتل عناصر «المارينز» ودبلوماسيين اميركيين قبل سنوات» (هذا ما تذكره الدبلوماسي الأميركي في المطار)، إلى تمثل الحزب بأعضاء في الحكومة لا يخدمون مصالح استخدام لبنان، في الخارجية، وصولاً إلى ان «لبنان يواجه وشعبه خيار اما المضي قدماً كشعب أبي أو السماح لطموحات إيران وحزب الله السيئة بأن تسيطر وتهيمن عليه».


على الضفة الموازنة، تناول الكلام مع الوزير بومبيو مؤتمر سيدر، حيث جدد التزام بلاده بمقررات هذا المؤتمر، وسمع مناشدة لبنانية للمشاركة في استثمار النفط والغاز، فضلاً عن المضي قدماً في تقديم المساعدات للجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.


رسائل واهداف


لا تستبعد المصادر المتابعة وجود سبب إضافي قد تكون له علاقة مباشرة بالاكتشافات النفطية في المياه الإقليمية اللبنانية، جنباً إلى جنب مع السعي الأميركي الى إيجاد حل لترسيم الحدود النفطية البرية والبحرية مع إسرائيل، وهو سعي سبق لواشنطن ان تبنت فيه بلا تردّد الخيار الإسرائيلي، ولا تزال تسعى منذ تنحية فريدريك هوف على تسويقه، لكن التطورات التي حصلت منذ سنتين يمكن ان تدفع الإدارة الأميركية إلى القبول بتعديل خط هوف لمصلحة لبنان، من أجل تطويق الاندفاعة النفطية الروسية نحو النفط اللبناني، وتحييد «حزب الله» تحييداً كاملاً عن الثروة النفطية.


وبهذا المعنى، كانت إشارة الرئيس ميشال عون إلى «أنه سبق للبنان ان اقترح مشاركة شركات أميركية في تلزيم البلوك 4 لكنها لم تشترك، وكرر الوزير جبران باسيل دعوة الشركات الأميركية للمشاركة في المناقصات التي ستجري لتلزيم البلوكين 1 و9 حول النفط، متسائلاً: «لَمَ لا يحصل تحالف بين روسيا وأميركا في لبنان، وفق مصلحة الشركات، بما يسهم في الازدهار والاستقرار؟».


السراي مع النأي بالنفس


وبطبيعة الحال لم يعرف جواب الوزير بومبيو، الا انه عبر، في لقاءاته السريعة مع أركان الدولة اللبنانية عن الموقف الذي «اخترع» من اجله زيارة لبنان من ضمن جولته التي قادته الى الكويت والكيان الاسرائيلي، وهو استهداف ايران و«حزب الله» ارضاء لإسرائيل والمعركة الانتخابية لرئيس وزراء كيان العدو بنيامين نتانياهو، حسبما ذكرت مصادر رسمية واكبت الزيارة. وتوقعت المصادر ألاّ تكون للزيارة وللمواقف الحادة التي اطلقها بومبيو اية مفاعيل وتأثيرات سلبية على لبنان.


واذا كانت عبارات بومبيو حول ايران و«حزب الله» في اللقاء مع رئيس الجمهورية ميشال عون ومع رئيس المجلس نبيه بري منتقاة بدبلوماسية، فهو عبر عنها بحدة بالغة في اللقاء مع وزير الخارجية جبران باسيل، لكنه سمع في قصور بعبدا وعين التينة وبسترس العبارة ذاتها والموقف ذاته: «ان حزب الله مكون لبناني نيابي وحكومي وله شعبية كبيرة، والمقاومة ضد اي احتلال حق تكفله القوانين الدولية»، في حين شدّد الرئيس سعد الحريري التزام قرار الحكومة اللبنانية والبيان الوزاري بسياسة النأي بالنفس عن صراعات المنطقة، مشيراً إلى ان «لبنان لا يريد الدخول في نقاشات لسياسة أميركا الخارجية».


وأوضحت مصادر السراي الحكومي، انه جرى خلال الاجتماع بين الحريري وبومبيو عرض تفصيلي لأوضاع المنطقة، مشيرة إلى ان هناك وضوحاً شديداً من قبل الإدارة الأميركية لمتابعة خطوات الضغط على إيران والمنظمات التي تصنفها بانها تابعة لها في المنطقة بما فيها «حزب الله».
ولمست المصادر حرص الولايات المتحدة وتمسكها بمتابعة دعمها للبنان وللدولة اللبانية ومؤسساتها واقتصادها، فيما دعا الجانب اللبناني إلى ان يكون هناك انتباه وحرص على لبنان واستقراره النقدي وقطاعه المصرفي في أي خطوات تفكر واشنطن في اتخاذها في هذا الإطار.


بعبدا وعين التينة


ورأت المصادر الدبلوماسية في قراءتها لزيارة بومبيو انها لا ترى في الزيارة سوى دعم نتانياهو في معركته الانتخابية خاصة ان اوضاع المنطقة لم تشهد خلال الفترة الماضية اي توتر مباشر على الارض بين اميركاوايران ولم تقم ايران ولا «حزب الله» باي عمل من شأنه استفزاز اميركا حتى تقوم بمثل هذه الحملة ضدهما، واشارت في هذه السياق- ولتأكيد موقفها- ان قرار اميركا الاعتراف بما تصفه «السيادة الاسرائيلية على هضبة الجولان السورية» المحتلة يقع من ضمن حملة الدعم الاميركية غير المسبوقة لنتنياهو واسرائيل.


وابرزت المصادر تغريدة لبومبيو بعد زيارة اسرائيل قال فيها: «الولايات لمتحدة تقف جنبا الى جنب مع اسرائيل، وستواصل مكافحة جميع اشكال معاداة السامية»، ونشرت التغريدة خلال وجود بومبيو في عين التينة، حيث تركز البحث على العقوبات الأميركية على «حزب الله» وتداعياتها السلبية على لبنان واللبنانيين، إلى جانب ضرورة معالجة الحدود البحرية.


وأكّد الرئيس نبيه برّي في هذا المجال على ان «القوانين التي اقرها المجلس النيابي تطابق القوانين الدولية وتؤمن الشفافية في التداول المالي على الصعد كافة».


وقال برّي، بحسب أوساط عين التينة، ان «حزب الله» حزب لبناني وموجود في البرلمان والحكومة، ومقاومته واللبنانيين ناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي اللبنانية.


وفي بعض ما تسرب من تفاصيل الزيارة ان بومبيو عرض امام الرئيس عون وجهة النظرالمعروفة من ايران و«حزب الله» وان اميركاستواصل ضغطها على ايران، واكد استمرار الدعم الاميركي للبنان،وبخاصة للجيش اللبناني. وتناول البحث موضوع عودة النازحين وابلغه عون الموقف اللبناني مما يرتبه النازحون من اعباء على لبنان، طالبا الدعم الاميركي والدولي لأعادتهم، فأيد بومبيو الموقف اللبناني لجهة الاعباء التي يتحملها لبنان، لكنه قال ما معناه ان هناك صعوبة بإقناع الدول المعنية بتمويل عودة النازحين قبل التوصل الى الحل السياسي للازمة السورية.


وعرض المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي شارك في عداد الوفد اللبناني في اللقاء، بالأرقام حركة النازحين العائدين إلى سوريا، ومراكز التسجيل والآلية المتبعة في العودة، مؤكداً عدم تعرض السوريين لأي مضايقات.


وطلب الرئيس عون مساعدة اميركا في ترسيم الحدود البرية والبحرية مع فلسطين المحتلة، فأبدى بومبيو استعداده للمساعدة لكنه لم يطرح اي تفاصيل حول كيفية المساعدة.


ولدى سؤال الوزير الاميركي عن موضوع حزب الله اكد رئيس الجمهورية وفق مصادر وزارية ان السلم الاهلي والوفاق الوطني ثوابت رئيسية مشددا على ان حزب الله هو حزب لبناني منبثق عن قاعدة شعبية تعيش على ارضها وفي قراها، كما انه لم يسجل اي عمل عدائي في الجنوب.
ولفتت المصادر الى ان المقاربة الأميركية لحزب الله معروفة لجهة اعتباره حزبا ارهابيا وان المفهوم يتبدل عندما لا يعود حزبا مسلحا ويتعاطى بأنشطة ارهابية.


واوضحت ان بومبيو ركز على اهمية الحل السياسي في ما خص ملف النزوح مؤكدا انه كلما استقر الوضع في سوريا كلما اصبحت العودة اسهل. وذكرت انه قدر عاليا ما قدمه لبنان في مجال مساعدة النازحين منوها بتضحيات الشعب اللبناني مستخدما عبارة : ماقدمه لبنلن لم يقدمه احد.
بدوره ابدى بومبيو وفق المصادر الحرص على لبنان وشعبه مبديا جهوزية بلاده للمساهمة في ترسيم الحدود البرية والبحرية.


واوضحت المصادر الوزارية ان لكل من لبنان والولايات المتحدة الاميركية مقاربتهما المختلفة حيال القضايا مكررة القول ان الوزير الاميركي استمع الى ما قدم من تفاصيل بالأرقام عن مشكلة النازحين السوريين وان مدة المحادثات التي كانت طويلة تعود الى ما طرح من اسئلة وتمت الإجابة عنها بشكل كامل.


وقالت المصادر انه ليس صحيحا ان وزير الخارجية الاميركية انتظر الرئيس عون للدخول بل التقاه على الفور، في حين ان عدم التدوين على السجل الذهبي يعود الى ضيق الوقت.


مؤتمر صحفي في الخارجية


ولوحظ ان الوزير الأميركي لم يدل بأي تصريح أو موقف بعد زيارته كل من قصر بعبدا وعين التينة والسراي، لكنه شاء عقد مؤتمر صحفي مشترك مع الوزير باسيل، بعد المحادثات التي أجراها معه في الخارجية، لشن هجوم عنيف على «حزب الله» «الذي يقف عائقاً امام أحلام الشعب اللبناني». وقال ان هذا الحزب «وضع الشعب اللبناني لـ34 سنة في حظر بسبب قراراته الاحادية غير الخاضعة للمحاسبة المتعلقة بالحرب والسلام والحياة والموت سواء من خلال وعوده السياسية أو من ترهيبه المباشر للناخبين».


اضاف: «حزب الله» ممثّل الآن في البرلمان وغيره من المؤسسات ويتظاهر بأنه يدعم الدولة، في حين انه يتحدى الدولة وشعب لبنان من خلال جناحه الارهابي الملتزم بنشر الدمار»، وتساءل: «كيف يمكّن لصرف الموارد واهدار أرواح الأشخاص في اليمن والعراق وسوريا ان يُساعد مواطني جنوب لبنان أو بيروت أو البقاع؟ وكيف يُمكن ان يقوي تخزين آلاف الصواريخ في الأراضي اللبنانية لاستخدامها ضد إسرائيل هذه البلاد؟».


ولفت إلى ان الحزب يقوم بهذه النشاطات الخبيثة نيابة عن النظام الإيراني وجنوده يعملون تحت أمرة طهران التي لا تريد لهذا الوضع ان يتغيّر، وهي ترى ان الاستقرار في لبنان يمثل تهديداً لطموحات إيران في الهيمنة».


ولفت ايضا إلى ان شبكات إيران الاجرامية العالمية بتهريب المخدرات ومحاولات تبييض الأموال تضع لبنان تحت مجهر القانون الدولي وعقوباته.


وفي ما يشبه التحريض المباشر الذي يحتمل التحذير المبطن، قال ان «حزب الله» يسرق موارد الدولة اللبنانية التي هي ملك شرعي لشعبها، وان هذا الأمر يتطلب شجاعة من الشعب اللبناني للوقوف بوجه اجرام حزب الله، وتهديداته، كما يتطلب بذل الجهود لضمان الاحترام والاستقلال الكامل».
وقال ان الولايات المتحدة ستستمر في الضغوط غير المسبوق على إيران حتى تتوقف عن سلوكها الخبيث، بما في ذلك النشاط الذي تضطلع به من خلال حزب الله»، معتبراً ان دعم إيران للحزب يُشكّل خطراً على الدولة اللبنانية ويقوض فرص السلام بين إسرائيل والفلسطينيين».

اما باسيل، فأكد من جهته على ان «حزب الله» حزب لبناني غير إرهابي ونوابه منتخبون من قبل الشعب وان تصنيفه ارهابياً لا يعني لبنان.
وقال: «نحن نتمسك بوحدتنا الوطنية وان هذا الامر يحافظ على علاقاتنا الجيدة مع أميركا، ونود العمل سويا لحل المشاكل، ومن بينها مسألة حزب الله والنظرة إليه والتعاطي معه، لاننا نعتبر ان استقرار لبنان والحفاظ على وحدته الوطنية هما مصلحة لبنانية ومصلحة اميركية ومصلحة اقليمية ودولية لأن هناك مصلحة في بقاء لبنان كنموذج قابل للحياة في مواجهة الارهاب.



http://bit.ly/2Cv7p4j


Post a Comment

0 Comments