ما نرجوه في السنة الجديدة 2019 (جورج عبيد)



تدهشني عند بولس الرسول عبارة جدّة الحياة. كيف تكون الحياة ببشرها وأزمنتها جديدة، هل نعطى أن نتسربل الجدّة وشاح نور يغطّي العتمات ويمحو الترابية فينا حتى آخر يوم من حياتنا ونبقى في أزمنتنا قامات من نور ووجوهًا من فجر؟ ثمّة نعمة تنزل على البشريّة، والنعمة كما في الكتاب، شهد عسل وشفاء للعظام. هي تتحرّك وتنسكب، لكنّ السعي أن يندمج الإنسان فيها ويذوقها ويدركها أنها قادرة أن تحولّه من العفن والقباحة والشرّ والباطل، إلى مساحة اللقاء ما بين الخير والحقّ والجمال، وهي تتدفّق فيه بتفجّر عنده المواهب، فيغتني ويغني ويطبع الأزمنة بما يعطي ويبدع ويشعّ بالعطاء والإبداع.


لن تكون عندنا سنة جديدة، إذا لم يكن الإنسان جديدًا بهذه النعمة عينًا. ماذا ينفع الإنسان أن يسكر ويبطر ويترف ويقامر ويغامر، ثمّ يستفيق في اليوم التالي ويخسر ذاته في زمن وعمر يمرّ كسواه؟ الفقر والجوع باقيان، المرض يستبد في الأجساد، الأوبئة تنتشر هنا وثمّة، في المقابل الغنى الفاحش متوحّش بأنظمة وقوالب لا تأبه بالفقير والمسكين، الأقوياء يتوافقون ويجرون الصفقات على حساب الضعفاء، ثمّة ثورات تنفجر عاصية على الواقع، وتبقى الأحداث في ظلّ هذه المشاهد وضمنها تجترّ نفسها أو تتكرّر وكأنّ الأزمنة حلقات مغلقة يصعب كسرها بما هو جديد ونافع.


ليس من سنة جديدة. الأزمنة ستتوالى، يوم يرحل وآخر يشرق، أسبوع يرحل وآخر يأتي شهر يرحل وآخر يحضر، سنة تمضي وأخرى تولد. منذ فجر الخليقة والأزمنة تلد بعضها إلى أن يقبض الله على المسكونة كلّها بمجيئه الأخير، وهو آت في كل الأديان التوحيديّة الثلاثة. الإنسان هو القضيّة، "هو الجرح" كما كتب بيار إيمانويل، البلدان التي شعوبها تحيا فيها أو تختلف عليها هي العناوين المتشعّبة. الكلام على الشعوب هو الكلام على الإنسان عيته.


من هنا يطرح السؤال التالي، هل السنوات هي التي تأتي إلينا بالأحداث أو الإنسان هو منشئها؟ ليس صحيحًا أن الأزمنة هي المعنى، الإنسان هو المعنى والمحتوى، هو العنوان. الشعوب في بلدانها مع حكامها والمسؤولين فيها هي العناوين بالأحداث والتطلعات بالرؤى والأحلام. ما يزعج في رأس السنة انكباب الناس على المبصّرين والمنجمين والمتنبئين ليقرأوا الغد، وكأنّ الناس أسرى الغيب بتنبؤاته. يرى الناس الأزمنة هي الناطقة. لكن في الحقيقة الناس إما تكون فم الله وعقله وقلبه في الوجود، أو أنها متلاشية في ما يعطى لها من فتات هؤلاء. أن تكون فم الله وعقله وقلبه في التاريخ، أي أنه أعطي لك الكمال بالحريّة التي هي خواص الله، فما معنى الانكباب على غيب جبريّ، أو على "ألوهة-وثنيّة" جبريّة عمياء؟ أن تكون فم الله وعقله وقلبه أن تكون خلاّقًا ومبدعًا ومحبًّا وصانع وجود وتاريخ، وليس لك الرضوخ لهؤلاء ولا لحاكم ظالم ولا لثريّ متعجرف، لأنه أعطي لك بواسطة النعمة أن تقول الوجود حرًّا وكريمًا، أن تقوّم كل اعوجاج وتسير وفقًا للرؤى الصادقة. السنة الجديدة التي نستقبلها ليس لها أن تكون عليك جديدة إلاّ إذا قرأت نفسك بنقد جديّ وجريء متفاعل مع أحداث شخصيّة وعامّة، مع ذاتك وعائلتك، مع إيمانك وانتمائك لقضيّة ووطن. القراءة والنقد الذاتيان والاتجاه نحو تنقية النفس والتوبة عن الخطايا هي الأسس التي تبني عليها جدّتك، تحلو بها سنتك وتعلو حياتك. لا تنتظر من الأقدار أن تجلب عليك المنّ والسلوى، لا تنتظر بأن السكر والسهر والقمار تنسيك الدنيا وتقويك وتحررك من ذاتك، وغالبًا ما تخرب البيوت بها. لا يعني هذا الكلام بأن تبطل الفرح في ذاتك ولا تلتقي بمن تحبّ في الليل وفي كل ليل وصباح، بل يعني هذا الكلام أن يكون فرحك إلهيًّا بنور عظيم يتساقط عليك من فراديس متحركة بنجوى الإله المحب البشر.


كثيرون سينكبون على التوقعات لا سيما في لبنان والمنطقة بأسرها. الأحداث تكشف على نفسها بالمعطيات الدقيقة والمعلومات السليمة. هذا يدركه كلّ من اندرج في الفكر السياسيّ والاقتصاديّ عملاً وقولاً وكتابة وتحليلاً. لا شكّ أننا مقبلون على محطة جديدة بدأت إشاراتها تتزاحم وتتراكم شيئًا فشيئًا كنتيجة للحرب في سوريا وعليها، ولا شكّ أيضًا بأنّ من انتصر في المعركة سيوظّف انتصاره في الحكومة وبيانها الوزاري بالعمق الوجوديّ والاستراتيجيّ، وسيرتبط كل هذا بالتغييرات الجيو-استراتيجيّة في المحيط الأقرب والأبعد. ما نرجوه للبنان أن يعرف نفسه بين الأمم، وأن نتعاطى معه كمعطى متكامل الوجود، إذا سمونا بالتكامل الوجوديّ إلى صياغة وطنيّة نهائيّة تجعله وطنَا وليس فندقًا أو ساحة أو مزرعة. أن يصير لبنان وطنًا يفترض ان يكون هدفًا استراتيجيًّا صادقًا عند أولي الأمر متطهّرًا من وبال الفساد وأوبئته وأدرانه، أي يكون وطنًا تستقيم فيه الدولة بمؤسساتها نقيّة عادلة تحيي كرامة المواطن وتعلّيها وتجعلها فوق كلّ اعتبار. هذا ما يفترض أن يكون جديدًا للبنانيين. وما يفترض أن يكون جديدًا للمشرق بأسره، ان ترمم سوريا وتحترم كدولة لها خصوصيتها وإرادتها، وقد بدأ ذلك يحصل بعودة الخليج الذي كان متآمرًا عليها إلى أحضانها، أو كما كتب صديقي الحبيب جورج ياسمين في مقدمة أخبار الOTV اجتمعوا على سوريا لكسرها وها هم يجتمعون عليها (وربما قصد فيها) في نصرها". وسيهدى هذا النصر إلى فلسطين الموجوعة والمجروحة، إلى بيت لحم والناصرة والسامرة ورام الله وحيفا ويافا ونهر الأردن وصولاً إلى القدس مدينة القيامة والإسراء والمعراج. سنلتقي من جديد حول فلسطين لنعلّيها في نضالنا ومحبتنا ونقول كل أشواقنا لها، تستحق فلسطين كل نصر مبين في الجوار لتقوم وتقفز من جديد في مساحة سلام يعطى لها في لحظات الحلّ الكبير والمنتظر.


في النهاية، لا تجعلوا من هذه السنة اجترارًا لما سبق. رجائي أن أصلي مع الجميع في رأس السنة في الرعايا والكنائس، لكي تكون سنة خير وبركة وصلاح ونجاح، وكل هذا من هبات الله فينا. دعائي أن تذهبوا وتحتشدوا في الكنائس كما يوم الشعانين، لا تجعلوا الله بمسيحه بعيدًا عنكم، إنه رأس كل سنة وكمال كل زمان. وجودكم معه وفيه يطهركم من خطاياكم ويكون كل شيء جديدًا كما كتب بولس الرسول. الأزمنة العتيقة تبقى ومضات أما الله فهو الضياء. إذهبوا إل الضياء وثقوا أننا إن أقبلنا عليه وقدّسنا حياتنا بنعمته يكون هو فينا ومعنا وفيما بيننا.


ألا باركنا الله في هذه السنة الجديدة المطلّة 2019، وأعطانا أن نصير جددًا بمجده القدوس ومحبته التي هي وجهه الكامل في حياتنا والتاريخ.



http://bit.ly/2VoRFbh


Post a Comment

0 Comments