recent
أخبار ساخنة

سناء الشعلان بنت نعيمة

 





          

 

    بقلم: عماد عواودة/ الأردن

 

    هناك كتّاب يختارون فناً واحداً، فيقيمون فيه، ويشيّدون عالمهم حوله، حتى يصبح اسمهم مقترناً بجنس أدبي بعينه، وهناك كتّاب لا تكفيهم نافذة واحدة على الحياة لتروي شغفهم، فيفتحون نوافذ كثيرة؛ لأنّ الإنسان في داخلهم أوسع من أن تختصره القصة أو الرواية أو القصيدة أو المسرح؛ ومن هذا الصنف تبدو تجربة الدكتورة سناء الشعلان؛ فهي لم تتعامل مع الأدب باعتباره جنساً واحداً، وإنما باعتباره فضاءً رحباً للمعرفة والتجربة والأسئلة .

     في تجربة سناء الشعلان نجد القصة القصيرة والرواية والمسرح وأدب الأطفال والكتابة النقدية والدراسات الأكاديمية والمقالات، إلى جانب مشاركات ثقافية واسعة؛ وقد وصفت مصادر صحفية تجربتها بأنها تمتد إلى عشرات الأعمال في النقد والرواية والقصة والمسرح وأدب الأطفال والدراسات الأكاديمية .

     لكن قيمة هذا التعدد ليست في كثرة العناوين وحدها؛ فالكاتب لا يصبح كبيراً لأنه كتب كثيراً، وإنما لأنه يستطيع أن يحمل روحه وأسئلته ومعرفته من جنس أدبي إلى آخر، دون أن يفقد صوته .

   قد تكون الرواية التي تكشف جانباً مهماً من هذه المغامرة هي "أعشقني" التي دخلت بها الدكتورة  سناء الشعلان  إلى منطقة الخيال العلمي، مستثمرة الزمن والعالم الافتراضي والتقدم العلمي والاتصالات ومواقع التواصل، في تجربة لا تجعل العلم زخرف للرواية، بقدر ما هو جزءاً من بنائها ورؤيتها؛ وقد تناول نقاد كبار تجربتها في الخيال العلمي بوصفها خروجاً عن محدودية الكتابة العربية في هذا المجال .

     إنّ اللافت عند الكاتبة  أن الخيال العلمي لم يبقَ محصوراً في الرواية؛ فقد امتد إلى كتابتها للأطفال ومسرح الطفل أيضاً؛ وفي أعمال مثل « أصدقاء ديمة » يتجاور الخيال العلمي مع الفضاء والزمن والاكتشافات العلمية والتنبؤ بالمستقبل، فيما توظف مسرحية «اليوم يأتي العيد» الخيال العلمي والقفز بين الأزمنة والعوالم المتجاورة في بناء حكاية تحمل أبعاداً تربوية وإنسانية .

     هنا تظهر واحدة من أجمل خصائص تجربة سناء الشّعلان: أنها لا تنظر إلى الطفل باعتباره قارئاً صغيراً، وإنما إنساناً في طور التشكل؛ لذلك لم يكن أدب الطفل عندها هامشاً في مشروعها، إنما مجالاً قائماً بذاته؛ كتبت القصة والرواية والمسرحية للطفل، واستحضرت شخصيات من التراث العربي والإسلامي، واشتغلت على قضايا إنسانية وتربوية، كما تناولت موضوعات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ كما أنّ تجربتها في هذا المجال أصبحت موضوعاً لأطروحة دكتوراه في الهند، تناولت رؤيتها وتشكيلها لأدب الأطفال والخيال العلمي والقيم الإنسانية والأخلاقية في أعمالها .

    أمّا المسرح، فهو وجه آخر من وجوه هذه المغامرة، فقد كتبت وأخرجت عدداً من النصوص المسرحية، ومنها «يُحكى أن»، و« 6 في سرداب»، و«عيسى بن هشام مرة أخرى» وغيرها، ومثّلت بعض أعمالها على خشبات المسرح، وحصل نص «يُحكى أن» على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان فيلادلفيا التاسع للمسرح العربي .

    غير أن وراء هذه المسيرة كلها حكاية أخرى؛ حكاية امرأة كانت تقف في الخلف، لتدفع ابنتها إلى الأمام .

  إنّها الأمّ (نعيمة المشايخ). بما لا يستطيع المرء أن يفهم سناء الشعلان تماماً إذا قرأ كتبها وحدها، ولم يقرأ شيئاً عن أمّها (نعيمة)، فقد كانت (نعيمة) أكثر من أمّ؛ إذ كانت رفيقة الطريق، والمؤمنة الأولى بالموهبة، والصديقة، والسند، والشخص الذي رأى في الطفلة ما لم يكن الآخرون قادرين على رؤيته .

    تحكي سناء الشّعلان أنّ أمها، وهي طفلة لم تتجاوز العاشرة، وفّرت لها آلة كاتبة وأوراقاً، وساعدتها على إرسال رواية طويلة إلى مسابقة في مصر، رغم أن شروط المسابقة كانت في الحقيقة للكبار؛ لم تكن الأم تعرف أن ابنتها ستصبح ذات يوم أديبة معروفة؛ لكنها فعلت ما يفعله الإيمان الحقيقي بالمواهب: آمنت بابنتها قبل أن تأتي الشهادة.

    هكذا لم تكن « نعيمة المشايخ » مجرد امرأة أنجبت كاتبة؛ لقد كانت، في جانب عميق من الحكاية، شريكة في صناعة الكاتبة .

     لذلك يبدو اسم «سناء الشعلان بنت نعيمة» أكثر من تعريف عائلي؛ لقد اختارت « سناء » أن تجعل اسم أمّها جزءاً من اسمها الأدبي، بعد رحيلها، حتى لا يسمح للغياب بأن يمحو الاسم الذي كان حاضراً في كل مراحل تكوينها؛ وقد شرحت بنفسها أن اقتران اسم أمها باسمها جاء رغبة في تخليدها، لأنها رأت أن أمها تركت أثرها في روحها كما تركت هي أثرها في الحياة .

     ثم جاء الموت؛ رحلت « نعيمة المشايخ » في 12 سبتمبر 2021 بعد صراع مع المرض، وكان رحيلها بالنسبة إلى «سناء» ليس فقداً عابراً، وإنما انكساراً في بنية الحياة نفسها؛ فقد رحلت المرأة التي كانت الأم والصديقة والرفيقة والسند؛ وقد انعكس هذا الفقد في كتابتها وفي علاقتها بالذاكرة، حتى صار استحضار الأم نوعاً من مقاومة النسيان.

 

     وإنّ أبلغ ما فعلته «سناء» أنها لم تترك أمها للموت وحده؛ حوّلت غيابها إلى كتابة؛ وفي 2025 صدر كتاب « نحبك يا نعيمة » الذي جمعته وأعدته « سناء » وفاءً لذكرى والدتها، وحمل شهادات كثيرة في حياتها وأثرها؛ وهنا ربما يمكن أن نفهم شيئاً من سر هذه التجربة .

  (سناء الشعلان) نموذج للكاتبة التي لم تكتفِ بأن تكون امرأة تكتب، بل أرادت أن تكون كاتبة كاملة الأدوات؛ اقتحمت الرواية، وغامرت في الخيال العلمي، وكتبت للمسرح، وخاطبت الطفل، واشتغلت في النقد والدراسة، وخاضت أسئلة المرأة والإنسان والوطن والذاكرة؛ وكانت جرأتها على الكتابة تسير إلى جانب ثقافة واسعة صقلت هذه الجرأة، حتى لا تتحول الجرأة إلى مجرد صخب، ولا تتحول الثقافة إلى مجرد تراكم معرفي بارد .

   الكتابة الجريئة وحدها قد تصنع ضجيجاً، والثقافة وحدها قد تصنع كاتباً بارداً؛ أما حين تلتقي الجرأة بالمعرفة، والتجربة بالخيال، والموهبة بالاشتغال الطويل، فإن شيئاً آخر يولد : صوت الكاتب .

     ربما لهذا لا تبدو « سناء الشّعلان » مجرد امرأة اختارت الأدب مهنة أو هواية؛ بقدر ما تبدو امرأة جعلت من الأدب طريقة في مقاومة الحياة .

    وراء الكاتبة التي تقف اليوم أمام القارئ روايةٌ أخرى لا تُقرأ في الكتب : طفلة أمسكت بالقلم، وأمٌّ آمنت بها، وامرأة كبرت وهي تحمل أمها في ذاكرتها، ثم فقدتها، فقررت ألا تسمح للموت أن يأخذها كاملة .

     لذلك، حين نقرأ اسم « سناء الشعلان بنت نعيمة »، قد لا نكون أمام اسم كاتبة فحسب؛ بل أمام حكاية أمٍّ تركت ابنتها تمشي في طريق الأدب، ثم غابت عن الطريق … فواصلت الابنة المشي، وهي تحمل ظلّها معها؛ ام أمنت بطفلتها قبل أن تدرك الشهادات، وقرأت ما يدور في ذهنها قبل أن يكون لها كتب وروايات

       (بنت نعيمة) ليست نسبةً إلى الأم، وإنّما هي هوية أدبية وإنسانية؛ فكلما اتسعت تجربة «سناء الشعلان»، ظلّ في داخلها شيء من تلك الطفلة التي آمنت بها نعيمة قبل أن يؤمن بها الآخرون .


google-playkhamsatmostaqltradent