أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
السلع تواصل الصعود في ظل تعدد أشكال الشح
اجتمعت مخاوف الطقس والحرب والديون المالية
وضعف الدولار لتدعم أسبوعاً آخر من المكاسب الواسعة في أسواق السلع، ما يعزز
الانطباع بأن موجة الصعود لم تعد مدفوعة بعدد محدود من قصص نقص الإمدادات
المنفصلة.
فقد ارتفع مؤشر بلومبرج للسلع – إجمالي
العائد بنحو 3.3% هذا الأسبوع، لترتفع مكاسبه منذ بداية العام إلى أكثر من 30%،
بينما بلغت مكاسبه على مدى 12 شهراً نحو 44%.
وارتفعت جميع القطاعات الرئيسية باستثناء
المعادن الصناعية، في حين تصدرت البلاتين والفضة والنفط الخام والديزل والغاز
الطبيعي الأوروبي قائمة السلع الأفضل أداءً.
كانت موجات صعود السلع في السابق تتركز
غالباً في قطاع واحد، وكان آخرها المعادن النفيسة ثم الطاقة. أما موجة الصعود
الحالية، فتستند بصورة متزايدة إلى عدة محركات مستقلة تعمل في الوقت نفسه.
وتدعم قيود الإمدادات الفعلية، والتجزؤ
الجيوسياسي، وتقلبات الطقس، والمخاوف بشأن الاستدامة المالية، أجزاء مختلفة من سوق
السلع، وإن كان كل منها لأسباب مختلفة.
ومن السمات اللافتة الأخرى اتساع الفارق بين
أداء أسعار السلع الفورية وإجمالي العوائد.
فمؤشر بلومبرج للسلع الفورية، الذي يعكس
تحركات أسعار السلع الأساسية، ارتفع 23% منذ بداية العام، في حين يضيف مؤشر
بلومبرج للسلع – إجمالي العائد عوائد ترحيل العقود الآجلة والعائد المتحقق من
الضمانات النقدية، ليرتفع بنحو 30.5%.
وفي الأسواق التي تتسم بحالة تراجع في منحنى
العقود الآجلة، حيث تتداول العقود القريبة بسعر أعلى من العقود المؤجلة، يستطيع
المستثمرون الاستفادة من عائد إيجابي عند ترحيل المراكز إلى العقود اللاحقة.
وهذا يساعد على تفسير قوة إجمالي عوائد
السلع بصورة خاصة، كما يسلط الضوء على سمة مهمة للبيئة الحالية: فشح الإمدادات
الفعلية لا يؤدي إلى ارتفاع الأسعار فحسب، بل يخلق أيضاً، في عدد من الأسواق،
هياكل لمنحنى العقود الآجلة يمكن أن تعزز العوائد التي يحققها المستثمرون في
العقود الآجلة أو صناديق المؤشرات المتداولة التي تتبع أداءها.
الزراعة تنضم إلى موجة الصعود المدفوعة
بالشح
أصبحت الزراعة جزءاً أكثر أهمية من موجة
الصعود، إذ قادت السلع الزراعية اللينة مكاسب هذا الأسبوع، فيما حققت الحبوب أيضاً
أداءً قوياً.
وهنا بدأ تضافر الطقس والحرب يفرض تحديات
على توقعات كانت تشير في السابق إلى وضع مريح نسبياً من حيث الإمدادات العالمية.
وتتركز قصة الطقس بصورة متزايدة حول ظاهرة
النينيو. ومن المتوقع أن تكون الظاهرة النامية قوية بصورة استثنائية، ما يزيد
مخاطر أنماط الطقس المدمرة في عدد من المناطق الرئيسية المنتجة للمحاصيل.
وتتعرض المحاصيل الاستوائية بشكل خاص لهذه
المخاطر، إذ قد تتأثر إنتاجية القهوة في جنوب شرق آسيا، والكاكاو في غرب أفريقيا،
والسكر في أجزاء من آسيا والبرازيل، بالتغيرات في معدلات هطول الأمطار ودرجات
الحرارة.
وبات تأثير ذلك واضحاً بالفعل في الأسعار.
فقد واصل السكر تعافيه القوي وسط المخاوف
بشأن آفاق الإنتاج في الهند وتايلاند، فيما ارتفع الكاكاو والقهوة أيضاً مع إعادة
المتعاملين تقييم مخاطر الإمدادات.
وارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة
للأمم المتحدة لأسعار الغذاء في يوليو إلى أعلى مستوى له منذ يناير 2023، مع
ارتفاع أسعار الحبوب بنسبة 3.4% خلال الشهر، وصعود أسعار السكر بنسبة 5.6%.
ولا تقتصر المخاوف على إنتاجية المحاصيل.
فالقطاع الزراعي شديد الاعتماد على الطاقة، وقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى
ارتفاع تكاليف الديزل والأسمدة والنقل والري.
وحذرت منظمة الأغذية والزراعة من أن اجتماع
الحرب وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية وظاهرة النينيو قد يؤدي إلى موجة أخرى من
تضخم أسعار الغذاء عالمياً في وقت لاحق من هذا العام.
أما الحبوب، فتواجه مصدراً مختلفاً، لكنه لا
يقل أهمية، من عدم اليقين.
فالهجمات المتصاعدة حول البحر الأسود تعرقل
أحد أهم ممرات تصدير المنتجات الزراعية في العالم، ولا سيما القمح وزيت عباد
الشمس.
وقد خفضت أوكرانيا مؤخراً توقعاتها لصادرات
الحبوب للموسم 2026-2027 بما يصل إلى 12% بعد الهجمات الروسية على موانئها
البحرية، في حين طالت الاضطرابات أيضاً البنية التحتية للصادرات الروسية.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت عقود الذرة الآجلة
في شيكاغو إلى أعلى مستوى لها في 18 شهراً، بعدما أشار تقييم ميداني أجرته جهات من
القطاع في مناطق الغرب الأوسط الأمريكي إلى أن محصول الذرة قد يكون أصغر من المتوقع
سابقاً، ما أثار مخاوف من أن تكون إمكانات الإنتاجية أقل من التقديرات.
وفي المقابل، قد تدفع الهجمات المتبادلة بين
روسيا وأوكرانيا على الموانئ والسفن كبار المشترين في نهاية المطاف إلى البحث عن
موردين بديلين، ما قد يعزز الطلب والأسعار في مناطق التصدير الأخرى.
وبالتالي، تتزايد المخاطر من كلا الجانبين:
فالطقس يهدد الإنتاج، في حين تهدد الاضطرابات الجيوسياسية قدرة الأسواق على نقل
المحاصيل المتاحة إلى المستهلكين.
ومع بقاء تكاليف الطاقة والأسمدة مرتفعة،
تتقلص قدرة السوق على امتصاص صدمات إضافية في الإمدادات.
قلق سوق السندات يضيف بُعداً آخر
جاء التطور الرئيسي الآخر هذا الأسبوع من
خارج أسواق السلع، لكنه قد يتضح أنه لا يقل أهمية لقصة الأصول الملموسة.
فقد فاجأت وزارة الخزانة الأمريكية الأسواق
بإعلانها أنها ستضاعف، على الأقل، حجم عمليات إعادة شراء السندات الحكومية الأطول
أجلاً بهدف دعم السيولة، لترفع مشترياتها من السندات التي تستحق خلال 10 إلى 30
عاماً إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار لكل عملية.
وجاء الإعلان بعد ارتفاع عائد سندات الخزانة
الأمريكية لأجل 30 عاماً إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2007.
وفي البداية، نجح التدخل. فقد ارتفعت
السندات طويلة الأجل بقوة، وانخفض انحدار منحنى العائد مع تراجع عائد السندات لأجل
30 عاماً، كما ضعف الدولار وحصلت الأصول الملموسة على دفعة إضافية.
لكن الأكثر إثارة للاهتمام كان ما حدث بعد
ذلك.
فقد تلاشت موجة الصعود سريعاً، وعاد عائد
السندات لأجل 30 عاماً نحو 5.25%، رغم تأكيد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت
لاحقاً أن الإدارة تمتلك «مجموعة كبيرة من الأدوات» المتاحة لمعالجة تكاليف
الاقتراض.
ولا تزال عمليات الشراء الموسعة متواضعة
مقارنة بسوق سندات الخزانة الذي تتجاوز قيمته 32 تريليون دولار، في حين تجاوز
إجمالي الدين الحكومي الأمريكي الآن 40 تريليون دولار.
وقد لخّصت فايننشال تايمز رد فعل السوق
المتشكك، عندما وصف أحد المستثمرين هذه المبادرة بأنها أشبه بـ«ضمادة على جرح ناجم
عن رصاصة».
ويتمثل القلق الأساسي في أن عمليات دعم
السيولة قد تعالج كفاءة عمل السوق، لكنها لا تقدم حلاً بحد ذاتها للعجز المالي
المستمر، وارتفاع أعباء فوائد الدين، وتزايد المعروض من السندات الحكومية.
وتكتسب هذه المناقشة أهمية بالنسبة إلى
أسواق السلع لأنها تتحدى إحدى الآليات التقليدية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى
إخماد موجات صعود السلع.
فعادةً ما يؤدي ارتفاع أسعار السلع إلى
زيادة التضخم، ما يدفع أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية إلى الارتفاع، ويعزز قيمة
العملة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى تباطؤ الطلب.
والسؤال المطروح هو ما إذا كانت أعباء
الديون الحكومية الضخمة تجعل هذه العملية التصحيحية أكثر صعوبة.
فإذا حاول صناع السياسة احتواء تكاليف
الاقتراض طويلة الأجل في وقت لا يزال فيه التضخم مرتفعاً، فقد يتجه المستثمرون
بصورة متزايدة إلى الأصول التي لا يمكن زيادة معروضها بسهولة.
ولا يعني ذلك أن السياسة النقدية أو المالية
دخلت نظاماً جديداً، لكن رد فعل الأسواق هذا الأسبوع، ولا سيما موجة الصعود القوية
التي شهدتها المعادن الاستثمارية والأصول المشفرة، يشير إلى أن المستثمرين بدأوا،
على الأقل، يطرحون هذا السؤال.
كما أضاف ضعف الدولار مجدداً، إذ انخفض
بنسبة 1% خلال الأسبوع، رغم بقائه ضمن النطاق الذي تحرك فيه خلال العام الماضي،
دفعة إضافية، نظراً إلى أن معظم السلع المتداولة عالمياً تُسعّر بالدولار
الأمريكي.
سلع مختلفة، وقاسم مشترك واحد
لا تزال الطاقة مصدراً واضحاً للضغوط على
الإمدادات الفعلية، إذ تواصل الحرب مع إيران تعطيل تدفقات الطاقة في الشرق الأوسط،
وتحافظ على حالة شح استثنائية في أسواق المنتجات المكررة.
وفي الوقت نفسه، يواصل المستثمرون الإقبال
على المعادن النفيسة وسط المخاوف المالية وضعف الدولار.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هذا الأسبوع هو
كيفية امتداد هذه القوى إلى نطاق أوسع من سوق السلع.
فالزراعة تستجيب للطقس والحرب وارتفاع
تكاليف المدخلات. وتستجيب المعادن النفيسة بصورة متزايدة للمخاوف المالية ومخاوف
العملة. ولا تزال الطاقة مدعومة بالاضطرابات الجيوسياسية وقيود توافر المنتجات،
بينما تواصل المعادن الصناعية مواجهة تحديات طويلة الأجل على صعيد الإمدادات رغم
بعض الانفراجات قصيرة الأجل.
ويقدم النحاس تذكيراً مفيداً بأن الصورة
ليست إيجابية على نحو شامل.
فقد تتجه مخزونات بورصة لندن للمعادن نحو
تسجيل أكبر زيادة أسبوعية لها منذ عام 2020، مع قيام المتعاملين بتسليم المعدن
مقابل الأسعار المرتفعة بعد أشهر من شح الإمدادات.
وتوضح هذه الاستجابة كيف يمكن لارتفاع
الأسعار أن يجذب مزيداً من الإمدادات، وأن يؤدي في نهاية المطاف إلى تخفيف حالة
الشح.
ومع ذلك، ارتفعت الأسعار مجدداً قبيل عطلة
نهاية الأسبوع، بعد أن قدمت الصين، أكبر مستهلك للمعدن في العالم، جرعة جديدة من
الدعم المالي للاقتصاد خلال واحدة من أضعف فتراته في سنوات، بسبب ضعف الطلب المحلي
والإنفاق الخاص.
وقد تسهم هذه الإجراءات في دعم الطلب على
السلع، بما فيها النحاس.
فارتفاع الأسعار يمكن أن يؤدي إلى تدمير
الطلب، ويشجع على استخدام البدائل، ويسرّع دخول إمدادات جديدة إلى السوق.
كما أن أي تراجع ملموس في التصعيد بالشرق
الأوسط أو منطقة البحر الأسود قد يزيل علاوات المخاطر الجيوسياسية من أسعار الطاقة
والحبوب.
وقد يتضح في نهاية المطاف أن المخاوف
المرتبطة بظاهرة النينيو أقل ضرراً مما يُخشى حالياً، في حين يمكن لبرنامج أمريكي
موثوق لضبط أوضاع المالية العامة أن يخفض العوائد طويلة الأجل، ويحقق استقراراً
للدولار، ويضعف الطلب على الأصول الملموسة.
وبالمثل، فإن حدوث تباطؤ اقتصادي عالمي حاد
من شأنه أن يفرض تحديات على السلع الصناعية والطاقة، في حين قد يجبر التضخم
المستمر البنوك المركزية على الإبقاء على سياسات نقدية تقييدية لفترة أطول.
وستكون العوائد الحقيقية المرتفعة وتجدد قوة
الدولار عاملين معاكسين مهمين بشكل خاص للمعادن النفيسة، وربما لسوق السلع الأوسع
نطاقاً.
لكن السمة المحددة للمشهد في الوقت الراهن
هي اتساع قاعدة الصعود.
فموجة صعود السلع باتت تستند بصورة متزايدة
إلى عدة أشكال مستقلة من الشح تحدث في الوقت نفسه: قيود الإمدادات الفعلية،
والاضطرابات الجيوسياسية، وعدم اليقين المناخي، وتنامي المخاوف بشأن القوة
الشرائية للأصول المالية.
ولا يضمن ذلك استمرار الأسعار في الارتفاع
بالوتيرة الأخيرة، كما أن مخاطر التصحيح وجني الأرباح ارتفعت بوضوح بعد تحقيق
إجمالي عائد بلغ 30% منذ بداية العام.
لكن مقارنةً ببداية العام، عندما كان الأداء
يعتمد بدرجة كبيرة على عدد محدود من الأسواق، أصبحت موجة الصعود الحالية تستند إلى
قاعدة أوسع بكثير.
وفي عالم تتزايد فيه تحديات الطقس والحروب
والديون للافتراضات المتعلقة بوفرة الإمدادات واستقرار القوة الشرائية، نرى أن
السلع تعيد مرة أخرى إثبات دورها المميز ضمن المحافظ الاستثمارية المتنوعة.
ونحافظ على نظرتنا الإيجابية طويلة الأجل
تجاه قطاع السلع، مع الأخذ في الاعتبار بعض المخاطر التي قد تعرّض هذه الرؤية
للتحدي، والمذكورة أعلاه.