بقلم: عماد عواودة/ الأردن
حين نتأمل حياة بعض الكتّاب والمبدعين ، لا نقف أمام سيرةٍ شخصية بقدر ما
نقف أمام مشروعٍ إنساني وثقافي متكامل ، تتداخل فيه المعرفة بالإبداع ، ويعانق فيه
الفكرُ الفنَّ ، حتى يغدو صاحبُه أشبه برسالةٍ تمشي بين الناس ؛ ومن هذا الصنف من
المبدعين تبرز الدكتورة سناء الشعلان ، بوصفها واحدةً من الشخصيات الثقافية
العربية التي استطاعت أن تصنع حضورها بالاجتهاد والمعرفة والإنتاج المتواصل ، لا
بضجيج الشهرة العابر أو بريق الألقاب المؤقتة .
ليست سناء الشعلان أديبةً وقفت عند حدود جنسٍ أدبي واحد ، ولم تحصر
نفسها في مساحةٍ ضيقة من التعبير ، وإنما مضت تخوض تجارب متعددة ، مستندةً إلى
يقينٍ عميق بأن الكلمة الحقيقية قادرة على أن تتخذ صوراً كثيرة دون أن تفقد جوهرها
؛ كتبت الرواية والقصة والدراسة النقدية ، ثم وجدت في المسرح امتداداً طبيعياً
لهذا الشغف الإبداعي ، فأنجزت نصوصاً مسرحية لاقت التقدير وحصدت الجوائز ، كما
وأسهمت في إخراج بعض أعمالها ، لتؤكد أن الأدب ليس حبراً على الورق فحسب ، وإنما
هو حياةٌ كاملة تتجسد في الصورة والصوت والحركة .
وفي تجربتها المسرحية ما يدل على وعيٍ عميق بطبيعة الفن ووظيفته ؛
فالنص عندها لا يبقى سجين الصفحة البيضاء ، بقدر ما يخرج إلى فضاء التلقي الإنساني
الرحب ، حيث تتحول الفكرة إلى مشهد ، ويتحول الشعور إلى فعل ، وتصبح الكلمة جزءًا
من نبض الحياة اليومية ؛ ومن هنا جاءت أعمالها المسرحية شاهدةً على قدرة الأدب على
تجاوز حدوده التقليدية ، والاقتراب من الإنسان في همومه وأحلامه وأسئلته الكبرى .
أمّا الجوائز التي نالتها في مسيرتها الطويلة ،
فقد جاءت من مؤسسات ثقافية وأدبية متنوعة في أقطار عربية مختلفة ، حتى تجاوز عددها
العشرات ؛ غير أن أهمية هذه الجوائز لا تكمن في أعدادها ، وإنما فيما تمثله من
اعترافٍ بقيمة العمل والإبداع ؛ فالجوائز الحقيقية لا تصنع المبدع ، لكنها تكشف عن
وصول صوته إلى آفاقٍ أوسع ، وعن نجاحه في أن يجد مكانه في وجدان القراء والنقاد
معاً ، ولعل ما يلفت النظر في شخصيتها أنها لم تجعل من التكريم غايةً تسعى إليها ،
بل ظلت تنظر إلى الثقافة باعتبارها مسؤوليةً ورسالةً تتجاوز حدود المنافسة
والألقاب .
وإذا كان الإبداع الأدبي قد منحها مكانتها بين
الكتّاب ، فإن حضورها الصحفي والثقافي منحها مساحةً أخرى للتأثير ؛ فقد كتبت في
صحف ومجلات عربية ودولية متعددة ، وجعلت من المقالة وسيلةً للحوار مع المجتمع ،
ومن الكلمة أداةً للمشاركة في تشكيل الوعي العام ؛ وكانت في كتاباتها تجمع بين
رصانة الباحث وحساسية الأديب ، فتقترب من القضايا الفكرية والإنسانية بروحٍ ناقدة
، دون أن تفقد دفء اللغة وصدق الشعور .
ثم اتسع حضورها ليشمل العديد من الهيئات والاتحادات والمؤسسات
الثقافية والأكاديمية والصحفية في الوطن العربي وخارجه ، الأمر الذي جعل اسمها
حاضراً في مشهدٍ ثقافي يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة ، ولم يكن هذا الحضور نتيجة
ظرفٍ عابر ، بل ثمرة عملٍ طويل وصبرٍ منهجي وإيمانٍ راسخ بأن الثقافة جسرٌ للتواصل
بين الشعوب ، وأن المعرفة لغةٌ إنسانية قادرة على تجاوز الفوارق والمسافات .
لعلّ القيمة الأعمق في تجربة سناء الشعلان لا تكمن في كثرة ما كتبت أو
في عدد ما نالت من جوائز وعضويات ، وإنما في قدرتها على الجمع بين العلم والإبداع
، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني ؛ فهي نموذج للمثقف الذي يدرك أن
الثقافة ليست ترفاً فكرياً ، بل فعل بناءٍ وتنوير ، وأن الأدب ليس هروباً من
الواقع ، بل محاولة دائمة لفهمه والارتقاء به .
إنّ سيرتها تضعنا أمام صورةٍ مشرقة للمبدع
العربي المعاصر ؛ ذلك الذي يتسلح بالمعرفة ، ويؤمن بقيمة العمل ، ويشق طريقه بصمتٍ
وثبات ، حتى يصبح حضوره حقيقةً لا يمكن تجاهلها ؛ وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات
العابرة وتبهت فيه المعايير أحياناً ، تبدو هذه النماذج الثقافية الجادة أكثر
حاجةً إلى القراءة والاحتفاء .
فالأوطان لا تصنع مجدها بالسلاح والاقتصاد وحدهما ، وإنما تصنعه كذلك
بالعقول التي تفكر ، والأقلام التي تكتب ، والضمائر التي تؤمن برسالتها ؛ وحين
ينهض في المجتمع أدباء ومفكرون من طرازٍ جديد ، يجمعون بين الحداثة والأصالة ،
وبين الاحترافية والالتزام الوطني ، فإنهم يرسخون صورةً أكثر إشراقاً للثقافة
العربية ، ويؤكدون أن المستقبل لا يُبنى إلا بأيدي أولئك الذين يجعلون من المعرفة
نوراً ، ومن الإبداع طريقاً ، ومن الانتماء للوطن قيمةً تتجدد مع كل إنجاز .
