أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
يدخل الذهب مرحلة استقرار ممتدة بعد موجة صعود تاريخية دفعت بالمعدن النفيس إلى ذروة قياسية في يناير تقترب من 5595 دولار، قبل أن يشهد تصحيحاً حاداً هبط به نحو مستويات 4100 دولار في مارس الماضي. ومع استقراره حالياً حول 4550 دولار، لا يزال المعدن الأصفر يسجل مكاسب تقارب 5% منذ بداية العام ونحو 40% على مدار العام الماضي، إلا أنه يظل قابعاً قرب الحد الأدنى لنطاق التصحيح البالغ 1500 دولار تقريباً والذي تشكل خلال الربع الأول.
تجسد البيئة الحالية فجوة تزداد اتساعاً بين أولويات المتداولين في المدى القصير وتطلعات المستثمرين على المدى الطويل؛ فبينما تظل المبررات الهيكلية للاستثمار في الذهب قائمة إلى حد كبير، خلقت التطورات الاقتصادية الكلية قصيرة الأجل خلفية أكثر تحدياً للأسعار.
بين مطرقة التضخم وسندان العوائد
من وجهة نظر المتداولين، يظل التركيز منصباً على أسعار الطاقة، وتوقعات التضخم، وعوائد السندات، وقوة الدولار. إذ أدت الأزمة في الشرق الأوسط والاضطرابات المصاحبة لها في أسواق الطاقة إلى رفع توقعات التضخم في وقت كانت فيه الأسواق تتأهب لخفض أسعار الفائدة. وتنعكس زيادة أسعار الطاقة مباشرة على مستويات التضخم، وبالتالي على عوائد السندات الحكومية، مع منح قوة دفع إضافية للدولار الأمريكي.
هذا المزيج خلق بيئة ضاغطة على الذهب؛ فارتفاع العوائد يزيد من "تكلفة الفرصة البديلة" لحيازة أصل لا يدر عائداً، بينما يثقل الدولار القوي كاهل الطلب من المستثمرين خارج منطقة العملة الخضراء. ونتيجة لذلك، لم تعد استجابة الذهب التقليدية كـ "ملاذ آمن" مباشرة كما كانت؛ فوفقاً لآليات التفاعل الحالية، قد تؤدي التوترات الجيوسياسية أحياناً إلى الضغط على الذهب إذا ما تسببت في موجة صعود جديدة لأسعار الطاقة وتوقعات التضخم.
المشهد الفني ومستويات الترقب
فنياً، استقر الذهب في الأمد القصير جداً ضمن نطاق ضيق بين 4500 و4590 دولار، مع انحصار الأسعار حول مستويات تصحيح فيبوناتشي الرئيسية. ويظل المشهد العام مقيداً بمتوسطين متحركين حاسمين: المتوسط المتحرك لـ 200 يوم (قرب 4355 دولار) الذي يمثل مستوى الدعم الرئيسي القادم، والمتوسط المتحرك لـ 50 يوماً (حول 4705 دولار) الذي لا يزال يمثل سقفاً يحد من محاولات الارتفاع.
وتدعم مراكز المستثمرين رؤية السوق المترقبة لاتجاه واضح؛ إذ استقرت حيازات الصناديق المتداولة (ETFs) دون تغيير يذكر خلال الشهر الماضي، ما يشير إلى غياب القناعات الشرائية الجديدة القوية، في حين يواصل التذبذب تراجعه. كما هبط مؤشر "متوسط المدى الحقيقي" (ATR) إلى أدنى مستوى في أربعة أشهر، مما يشير إلى ضيق نطاقات التداول واختناق السوق التي قد تكون في طور التحضير لحركة اتجاهية كبرى بمجرد اتضاح الصورة الفنية أو الأساسية.
ضغوط البنوك المركزية والدين العام
ثمة عامل آخر قد يضغط على الأسعار يتمثل في عمليات البيع القسري أو التكتيكي من قبل بعض البنوك المركزية. فالدول المستوردة للطاقة تواجه ارتفاعاً حاداً في تكاليف الوقود وضغوطاً متزايدة على عملاتها المحلية بسبب فواتير الاستيراد المقومة بالدولار. وفي ظل هذه الظروف، قد يلجأ بعض حائزي القطاع الرسمي لبيع الذهب إما للدفاع عن عملاتهم أو لتمويل مشتريات الطاقة المرتفعة. وهذا لا يقوض بالضرورة قصة الطلب القوية من القطاع الرسمي على المدى البعيد، ولكنه يفسر جزئياً استجابة الذهب الباهتة للضغوط الجيوسياسية.
في تقديرنا، لا يزال المستثمرون على المدى الطويل يركزون على مجموعة مختلفة من المحركات؛ حيث عادت أعباء الديون المالية المتصاعدة، وخاصة في الولايات المتحدة، إلى الواجهة مع زيادة تكاليف خدمة الديون نتيجة ارتفاع عوائد الخزانة. وفي الوقت ذاته، يواصل التضخم تحدي العوائد التقليدية للدخل الثابت، بينما تظل اتجاهات تنويع الاحتياطيات والتخلي عن الدولار مواضيع داعمة بقوة.
وبمجرد أن تبدأ الضغوط الفورية المرتبطة بالطاقة في الانحسار، قد يعاود طلب البنوك المركزية البروز كمحرك مهيمن. أما في الوقت الراهن، فيبقى الذهب عالقاً بين الرياح المعاكسة الكلية قصيرة الأجل والدعم الهيكلي طويل الأمد، مما يترك المعدن في حالة انتظار وترقب لبوصلة واضحة.
تقرير مقدم من أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك