اخر الأخبار

د فريد البستاني حصة رئيس الجمهورية في الحكومة ضرورة أم بدعة ؟



تشهد الأوساط السياسية والإعلامية مناخا يوحي بالتلميح أو يجاهر بالتصريح أن مصدر العقدة الحكومة يتجسد بتمسك رئيس الجمهورية بحصته التمثيلية في الحكومة، وفيما يناقش البعض الأمر من زاوية المبدأ ويقول بعدم جواز أن يكون لرئيس الجمهورية حصة يتمثل عبرها في الحكومة ويرى هذا البعض أن الحديث عن هذه الحصة للرئيس بدعة لا مبرر لها، يناقش البعض الاخر بحجم هذه الحصة ويدعو رئيس الجمهورية للتنازل من حصته لحلحلة عقد تشكيل الحكومة . 
تساق في هذا المناخ أقوال من نوع أن قوة الرئيس هي بمهابته، ولا حاجة لحصة وزارية للرئيس ليكون مؤثرا في مسارات العمل الحكومي، وبالمقابل أقوال من نوع أن كل الوزراء هم حصة رئيس الجمهورية فلماذا يطلب حصة خاصة به، وفي القولين مبالغات تهدف لإبتزاز الرئيس ووضعه تحت ضغط معنوي للتنازل تحت شعارات خطابية أثبتت الحياة السياسية لاواقعيتها، فكم من مرة جرى التطاول على مقامات رؤساء وتم إجتياح مهابتهم، عندما كانت الخلافات السياسية تضعهم في خطوط التصادم مع آخرين، وعندما كان هؤلاء الآخرون لا يجدون أنفسهم مضطرين للتفاهم مع رئيس الجمهورية لضمان إنعقاد مجلس الوزراء وتوفير نصاب الإنعقاد وإتخاذ القرارات، بل إن في الحياة السياسية ما يقول أن ثمة مرات تم خلالها تجاوزالبعد الميثاقي المتمثل بإشتراط حضور المكونات الرئيسية الطائفية في مجلس الوزراء وإلا وقع في محظور اللاشرعية الذي نصت عليه مقدمة الدستور بقولها أن لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، وكان العامل المساعد هو فقط توافر ثلثي مجلس الوزراء تحت مظلة سياسية تتيح إنعقاد الحكومة، بدون إشتراط موافقة رئيس الجمهورية أو شراكة مكون غائب ميثاقيا عن الحكومة . 
 
الأكيد أن وجود حصة لرئيس الجمهورية ليس بدعة، والأكيد أن نقل صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعا، جعل توازنات مجلس الوزراء مصدر التحكم بمسار السلطة الإجرائية، وصارت مسؤولية الرئيس عن ضمان البر بقسمه في الحفاظ على وحدة البلاد وصيانة الدستور، وهما عملان مستحيلان بدون السلطة الإجرائية التي يتولاها مجلس الوزراء، مشروطة بصلاحية لا يملكها إلا إذا ضمن عدم قدرة أي طرف ممثل في الحكومة أو أكثر على إتخاذ القرارات دون تمكن رئيس الجمهورية من الرقابة على دستوريتها، وهذا لا يتحقق إلا بوجود نصاب في الحكومة يثق رئيس الجمهورية بإلتزامه بمواقفه عندما يستدعي الأمر ذلك، وما منحه الدستور لرئيس الجمهورية من صلاحية في توقيع مراسيم تشكيل الحكومة ليس إلا لضمان تحققه من هذا الشرط، كشريك كامل في تشكيل الحكومة مع الرئيس المكلف الذي يضع التشكيلة الحكومية بالتوافق مع رئيس الجمهورية ليصدرا معا مراسيم تشكيلها . 
 
أما لماذا لم ينص الدستور على ذلك ، فالجواب قائم ضمنا، طالما أن الدستور جعل توقيع رئيس الجمهورية شرطا لا تولد الحكومة بدونه فقد ترك له حرية التقدير للحاجات التي يستدعيها قيامه بمسؤولياته الواجب مراعاتها في تشكيل الحكومة، وجاءت الممارسة اللاحقة لوضع الدستور الجديد بعد إتفاق الطائف لتظهر إستمراراية وجود وزراء في الحكومات المتعاقبة كحصة لرئيس الجمهورية، وهذا هو مفهوم تشكل العرف في الممارسة الدستورية كتراكم لممارسات تثبت في ظروف متغيرة، لتصير تفسيرا لغموض في نص، أو ردما لفجوة في نص آخر، أو آلية لتطبيق نص ثالث، ولو عدنا لما قاله النائب الراحل جورج سعادة عن مناقشات إتفاق الطائف لوجدنا أن البحث المرافق لنقل صلاحيات ممارسة السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء ترافق مع الحديث عن حق الرئيس بتسمية الثلث زائدا واحد من الوزراء، وإعتبار أن لا لزوم لذكر ذلك طالما أن الرئيس هو من سيوقع مراسيم ولادة الحكومة . 
 
ما يجري اليوم من خلط بين حصة الرئيس وحصة تكتل لبنان القوي، يريد الإيحاء بأن الرئيس وتياره السياسي يريدان السيطرة على قرار الحكومة، بينما سقف ما يملكانه معا وفقا للتشكيلات المتداولة يمنع تسيير أعمال الحكومة دون التوافق معهما كفريقين معا، واحد هو أكبر تكتل نيابي في مجلس النواب، والثاني هو رئيس الجمهورية، علما أن التوافق مع كل منهما على حدة يفترض أن يكون شرطا ميثاقيا لأعمال الحكومة. 
 
من غير الإنصاف تحويل وطنية رئيس الجمهورية وحرصه وتواضعه إلى نقاط ضعف يجري إستخدامها للضغط عليه عبر رأي عام يتألم من الإستهتار بآلامه ومعاناته، وتصويرالرئيس مسؤولا عن تعطيل ولادة الحكومة التي ينتظرها اللبنانيون، وذلك فقط بغرض إبتزازه للتنازل، وحرمانه من القدرة على ممارسة مسؤولياته الدستورية، وفقا للآليات التي كرستها الأعراف ولم يبتكرها رئيس الجمهورية، والذين يقولون اليوم بوجوب تنازل الرئيس عن حصته هم أنفسهم من سيقومون بمساءلته لاحقا أمام ذات الراي العام كيف يسمح بقرارات حكومية معينة، و يقولون أنه وحده المسؤول عن مراقبة أعمال الحكومة ومطابقتها مع أحكام الدستور بكل مندرجاته . 


http://bit.ly/2Rh7uSL